«Melania».. كاميرا مطيعة وسيدة أولى بلا مساءلة

خالد محمود
خالد محمود

آخر تحديث: السبت 7 فبراير 2026 - 6:00 م بتوقيت القاهرة

ليس فيلم Melania «ميلانيا» وثائقيًا بالمعنى التقليدى الذى يسعى إلى الكشف أو التفكيك، بقدر ما هو بورتريه محسوب بعناية لشخصية اعتادت الظهور بوصفها لغزا أكثر منها فاعلا. منذ مشاهده الأولى، يعلن الفيلم — ضمنيًا — انحيازه الكامل لموضوعه، ليس فقط لأن ميلانيا ترامب تشارك فى إنتاجه، بل لأن زاوية النظر نفسها مغلقة على ما تسمح هى برؤيته.


وثائقى بلا مسافة نقدية


المشكلة الجوهرية فى Melania لا تكمن فى موضوعه، بل فى غياب المسافة بين الكاميرا وصاحبة الصورة. فالوثائقى، بدل أن يسأل: من هى ميلانيا ترامب؟ يكتفى بالإجابة التى ترغب هى فى تقديمها.


نحن أمام فيلم لا يغامر بالاقتراب من التناقضات، ولا يشتبك مع الصمت الشهير الذى لازم الشخصية طوال سنوات وجودها فى البيت الأبيض.


كل ما يبدو شائكا أو ملتبسا يتم تجاوزه بسلاسة بصرية ومونتاج ناعم، وكأن الفيلم يخشى أن يزعج صورته أكثر مما يخشى أن يُتهم بالسطحية.


يتناول فيلم «Melania» شخصية ميلانيا ترامب بوصفها أكثر من مجرد «السيدة الأولى» الظلية، كاشفا عن مفارقة امرأة تقف فى قلب السلطة دون أن تتماهى بالكامل معها. لا يقدم الفيلم سيرة تقليدية، بقدر ما يشتغل على فكرة الغياب المتعمد: الصمت كاستراتيجية، والبرود كقناع، والمسافة كوسيلة للبقاء داخل عالم سياسى صاخب وعدائى. عبر أرشيف وصور عامة وقراءات ضمنية للحضور الإعلامى المحدود لميلانيا، يطرح الفيلم سؤالا مركزيا: هل كانت شريكة فى مشروع ترامب أم شاهدة صامتة عليه؟ ليحول الشخصية إلى مرآة لنظام سياسى يُقصى حتى أقرب وجوهه، ويجعل من الأناقة والهدوء واجهة تخفى توترات أعمق تتعلق بالهوية، والسلطة، ودور المرأة داخل مؤسسة الحكم.


على المستوى البصرى، قدم المخرج رايت رايتنر فيلما أنيقا، مصقولا، ومتماسكا تقنيا.. الإضاءة مدروسة، الكادرات هادئة، والموسيقى تميل إلى النبرة التأملية. لكن هذه الأناقة تتحول سريعا إلى قشرة جمالية تخفى فقرا دراميا واضحًا. لا يوجد تصاعد حقيقى، ولا لحظة كاشفة، ولا مفاجأة سردية.. حيث كان متوقعا انه سيمنح المشاهدين نظرة حصرية على كواليس حياة ميلانيا فى الأسابيع التى سبقت تنصيب الرئيس عام 2025،


الفيلم يراكم اللحظات اليومية، الاجتماعات، التحضيرات، واللقطات الخاصة، لكنه لا يحولها إلى معنى. المشاهد يرى الكثير، لكنه لا يفهم أكثر.


أخطر ما يفعله Melania هو تحويل ميلانيا ترامب من شخصية سياسية إشكالية إلى علامة تجارية إنسانية. يتم تقديمها بوصفها امرأة قوية، هادئة، متحكمة فى ذاتها، من دون أى مساءلة حقيقية لدورها الرمزى داخل منظومة سياسية مثيرة للانقسام.


لا نسمع صوتا مضادا، ولا رأيا ناقدا، ولا حتى محاولة لفهم موقعها داخل خطاب ترامب الشعبوى. الوثائقى هنا لا يوثق التاريخ، بل يعيد صياغته بصورة أكثر قبولا، فيما تقضى ميلانيا معظم المشاهد وهى تؤدى دور نسخة مصطنعة من نفسها.


السؤال الذى يفرض نفسه: هل نحن أمام فيلم وثائقى أم فيلم دعاية ناعمة وعلاقات عامة طويل؟


الحدود بين الاثنين تبدو شديدة الضبابية. مشاركة الشخصية الرئيسية فى الإنتاج تجعل كل مشهد محل شك، وكل اختيار إخراجى يبدو خاضعا لفكرة «ما الذى يجب ألا يُقال». وبهذا المعنى، يفقد الفيلم أحد أهم شروط الوثائقى الجيد: الجرأة.


رغم كل ذلك، لا يمكن إنكار أن Melania يمتلك قيمة واحدة واضحة:


هو وثيقة عن كيف تريد السلطة أن تُرى، لا عن كيف هى بالفعل. ومن هذه الزاوية، يصبح الفيلم مثيرًا للاهتمام بوصفه مثالًا على عصر تتحول فيه الأفلام الوثائقية إلى أدوات لإدارة الصورة، لا لكشفها.


يبقى فيلم Melania، الذى تكلف أربعين مليون دولار، عملا أنيقا، محسوبا، وخاليا من المخاطرة، لا يسىء إلى ميلانيا ترامب، لكنه أيضا لا يضيف إليها الكثير. هو فيلم يشرح الصمت دون أن يكسره، ويحيط الغموض دون أن ينفذ إليه.


وثائقى يُشاهد باهتمام، لكنه يغادر الذاكرة سريعا، لأنه اختار السلامة بدل الحقيقة.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved