أيام الشارقة التراثية

إيهاب الملاح
إيهاب الملاح

آخر تحديث: الجمعة 7 أبريل 2017 - 10:10 م بتوقيت القاهرة

بدعوة كريمة من معهد الشارقة للتراث؛ برئاسة الدكتور عبدالعزيز المسلم، تشرفت بحضور بعض فعاليات أيام الشارقة التراثية التى افتتحها الدكتور الشيخ سلطان القاسمى، حاكم الشارقة، وبحضور حاشد لكتاب ومثقفين وإعلاميين من 22 دولة عربية وأجنبية.

هذه هى المرة الأولى التى أزور فيها إمارة الشارقة، فى دولة الإمارات العربية، اسمها وحده يستدعى نشاطا محموما لا يكف خلال العقود الأخيرة فى كل فروع ومجالات الثقافة العربية والإسلامية؛ اللغة العربية، التراث، الأدب، الفنون.. إلخ وذلك عبر إقامة مئات الفعاليات: مناسبات محلية ودولية، مهرجانات وعروض فنية، معارض كتب، مبادرات ثقافية.. إلخ

صارت الشارقة، ودون أى مبالغة، الحاضنة الثقافية العربية التى تزدهى أيامها على مدى العام وتحفل مدنها وأحياؤها، من أقصاها إلى أقصاها ومن أدناها إلى أدناها، بكل ما يؤكد الأصالة العربية ويحتفى بمكوناتها وعناصرها المشكِلة لخصوصيتها. كما وفى ذات الوقت، ترحب بالجديد العصرى وبكل ما يخدم ويرسخ هذا التوجه التنموى المتسارع والنزوع النهضوى الحقيقى، فى تمازج يحقق المعادلة الصعبة: لا نهوض بلا هوية، ولا تقدم بلا انفتاح، ولا منافسة إلا بالأخذ بالأسباب، وامتلاك الوعى الحقيقى والطموح المشروع، والرؤية العامة الشاملة القادرة على تجسيد هذا الطموح.. وهذا ما فعلته، وتفعله بدأب ووعى، الشارقةُ الحاضرة الثقافية التنويرية الأكبر عربيا الآن بلا خلاف.

الشارقة التى شهدت انطلاق أكبر مهرجاناتها الثقافية «أيام الشارقة التراثية» فى نسختها الخامسة عشرة، بحضور ورعاية الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمى، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، استطاعت خلال عقود قليلة أن تجتاز مساحات شاسعة فى تطوير وتنمية ليس فقط بنيتها التحتية إنما أيضا مضاعفة رأسمالها الحضارى والثقافى والمعمارى عشرات بل مئات المرات.

كنت قبل زيارتى للشارقة أتابع عن كثب الحركة الدءوب التى لا تكف عن الدوران، طوال العام، يقود هذا النشاط الحاكم نفسه، من أول الكتاب الموجه للطفل حتى المشاريع العملاقة التى تستغرق عشرات السنوات لتنفيذها والانتهاء منها. تجليات هذا النشاط أكبر من أن يحيطه الحصر فعلا، لكن بنظرة تقريبية، ومن خلال مشاهدة بعض فعاليات «أيام الشارقة التراثية» التى تستمر حتى 22 من الشهر الحالى، فإن الشارقة استطاعت فعلا أن تغطى كل جوانب الثقافية العربية من حيث الاهتمام بها وإلقاء الضوء عليها والسعى بدأب إلى نشر الوعى بها وتنميتها ليس فى نطاقها المحلى بل تتجاوزه إلى البلدان العربية والإسلامية والعالم أجمع.

بالأمس وأنا أتجول فى الساحة التراثية الضخمة بسورها القديم ومعالمها التاريخية أتابع بعضا من مظاهر «الأيام» فوجئت بطابور طويل ممتد يتفرع إلى ثلاثة مسارات؛ واحد للأطفال وآخر للرجال والثالث للنساء، اقتربت لاستكشاف سر هذا الزحام، ففوجئت بأنهم ينتظرون تسلم شهادة من مركز التراث العربى التابع لمعهد الشارقة للتراث (الجهة المنظمة والمشرفة على هذا الحدث الكبير)، تفيد هذه الشهادة ذات التصميم الأنيق بأن حائزها عاشق للتراث العربى ومن المهتمين به ويتعهد بأنه سيبذل كل ما فى وسعه للحفاظ على التراث والاعتناء بمظاهره وتجلياته ونشر الوعى به فى كل الدوائر التى يستطيع الوصول إليها ويتحرك فى إطارها!

على بساطة الفكرة وسهولة تنفيذها، فإن المردود والاستجابة كانت هائلة، هائلة، هذا ما رأيته بعينى، ما الذى يجبر طفلا صغيرا أو رجلا أو شيخا أو امرأة أن يقفوا فى طابور ممتد ولوقت ليس قليل ليحصلو على مجرد ورقة أو شهادة مكتوب فيها أنهم عاشقون ومحبون للتراث وأنهم يتعهدون بالمحافظة عليه!! الإجابة ببساطة هى الوعى، الاشتغال على الوعى بهدوء ودأب وصبر، فيأتى التغيير الذى نبتغيه بإشاعة الثقافة وتنمية المعرفة والإلحاح بنعومة وترغيب فى هذا الشىء، صارت الثقافة ممتزجة بالمتعة وبتقضية وقت جميل يجعل صاحبه يتمنى أن يمضى مزيدا من الوقت فى ظل مثل هذه الفعاليات.

رأيت بعينى أسرا كاملة تصطحب أبناءها ويتجولون فى رحاب الساحة التراثية يتنقلون بين مشاهدة بعض عروض الفرق الفلكلورية الأجنبية (بالمناسبة كان الإقبال مذهلا على مشاهدة هذه الفرق)، وبين عروض الأداء التراثية المجسدة لتقاليد الحياة العربية القديمة، أو التوقف عند بعض الأنشطة التراثية للتعرف على تفاصيلها وماهيتها.

أعترف بأن من رأى ليس كمن سمع، وأن مظاهر هذا النشاط المذهل فى الشارقة من الصعب الإحاطة به فى حيز محدود، لكن هناك وجوها أخرى أكثر جمالا وروعة وتجسد حلم النهوض والانطلاق إلى آفاق أرحب للمستقبل، فإذا كانت الثقافة هى المشروع وهى الهدف وهى الوسيلة، فإن نواتها الصلبة وعمودها الفقرى هو «التعليم».. إذا وجد تعليم قوى حقيقى مثمر لا بد أن تتبعه نهضة ثقافية شاملة، فماذا فعلت الشارقة فى «التعليم»؟ وماذا عن مؤسساتها التعليمية والجامعية التى شاهدت بعضا منها؟

لهذا حديث آخر.. إن شاء الله.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved