ازدهار تشكيلى يثير الفخر والأسى
سيد محمود
آخر تحديث:
الثلاثاء 7 أبريل 2026 - 6:20 م
بتوقيت القاهرة
تشهد القاهرة موسمًا تشكيليًا حافلًا، وهذا الأسبوع وحده بدأ عدد من الفنانين المتميزين عرض أعمالهم فى القاعات الخاصة التى انتشرت فى ضاحية الزمالك مؤخرًا، وربما زادت أعدادها عن 20 قاعة عرض ذات مساحات مختلفة، وهناك عمارة كاملة على وشك أن تصبح بطوابقها كلها فضاءً لعرض الأعمال الفنية.
ومؤخرا نجحت جاردن سيتى فى المنافسة بوجود أكثر من قاعة وفضاء تشكيلى مثل فلك ومدرار وساندس التى تعد الأحدث.
الصورة تبهج المتابعين لما يجرى، فقد أصبحنا أمام ظاهرة تبدو إيجابية، بقدر ما تكشف عن تنوع وثراء فى المشهد التشكيلى المعاصر.
كما تشير فى نفس الوقت إلى قدرة الأجيال الجديدة من الفنانين على اقتحام مجال العرض بثقة واقتدار، بما يضيف إلى هذا المشهد الحافل تنوعًا لافتًا فى الاتجاهات والأجيال وطرق المعالجة.
من جهة أخرى، فإن هذا الإنتاج المتنوع يغرى رجال الأعمال بالاستثمار فيه، فقد صاروا أكثر حماسًا لتأسيس وتطوير قاعات العرض القائمة، أو الدخول فى شراكات مع أصحابها أو تأسيس قاعات جديدة.
ويكشف استمرار بعض قاعات العرض فى العمل لنحو 30 عامًا حجم الوعود والآمال المرتبطة بهذه الصناعة الإبداعية المهمة.
إن الحماس لتوسيع سوق الفن يجعلنا أمام ظاهرة جديدة تؤكد أننا أصبحنا أمام سوق حقيقى تشكلت ملامحه بالفعل، كما أنه قابل للنمو أيضًا، فمنافسات اقتناء الفن لم تعد تعتمد على ميزانيات الاقتناء التى كانت الدولة توفرها من خلال وزارة الثقافة وتوقفت منذ سنوات.
يعتمد سوق الفن اليوم على مناسبات معروفة، وعلى شراكات بين قاعات محلية وأخرى تعمل من بيروت أو دول الخليج، استنادًا إلى قيم العولمة الثقافية التى أوجدت منافسات بين أسواق مثل آرت دبى وآرت أبو ظبى وآرت الدوحة.
إن ما يجذب رءوس الأموال المصرية للعمل فى هذا القطاع مرتبط بالتحولات التى شهدها المشهد التشكيلى خلال السنوات السابقة، وهى تحولات يصعب فصلها عن تحولات أشمل شهدتها مصر خلال العقد الأخير؛ فعلى الرغم من النشاط الواسع الذى شهده قطاع الفنون التشكيلية للاحتفال برموز ومدارس فنية مهمة، فإن الفنانين أنفسهم أصبحوا غير متحمسين للعرض فى القاعات الحكومية التى تراجع دورها، ربما لأن مسألة الاقتناء وعمليات المضاربة على اللوحات صارت مرتبطة بحركة البيع فى القاعات الخاصة التى توفر دعاية تعجز القاعات الحكومية عن توفيرها، بخلاف ما توفره من مقتنين.
كما أن الاقتناء لم يعد وحده هو الباب الوحيد الذى تطرقه رءوس الأموال، فهذا المجال يضمن إلى جانب الربحية شيئًا من التمايز الثقافى والطبقى أيضًا، وفى مقابلة أخيرة أجراها خبير المقتنيات الدكتور حسام رشوان مع جاليرى دلول فى بيروت، تعرفنا على أسماء جديدة تحكم سوق الاقتناء لم تكن معروفة من قبل.
والواضح أن تغير نمط السكن فى مصر بعد توجه شريحة لا بأس بها إلى سكن المنتجعات المغلقة فى مدن زايد وأكتوبر والتجمع والعاصمة الجديدة أوجد طلبًا جديدًا على الاقتناء من قبل تلك الشريحة بغرض تزيين جدران البيوت الفاخرة وتغطيتها بأعمال فنية بدلًا من بقائها عارية.
وقد ساهم هذا الطلب فى زيادة أسعار أعمال بعض الفنانين، سواء ممن ينتجون اللوحات ذات الصبغة التجارية أو أولئك الذين يترفعون عنها، وفى الحالتين يجتهد مهندسو الديكور للتعاقد مع قاعات العرض لتقديم أعمال مقترحة تلبى طلبات الزبائن.
مؤخرًا بدأت بعض قاعات العرض تميل لاحتكار أعمال بعض الفنانين الذين يرسمون استجابة لقانون العرض والطلب، كما أن هناك لوحات لأسماء معروفة تم تزييفها استجابة لطلب الفئات الجديدة التى دخلت سوق الاقتناء بغرض المباهاة الطبقية أكثر من الرغبة فى تشجيع الفن والفنانين وحفظ أعمالهم كما كان الحال فى الماضى.
لكن أسوأ ما يمكن تأمله فى المشهد الحالى، بخلاف انحسار الحركة النقدية وانعدام تأثيرها، أن الحركة التشكيلية صارت مركزية تمامًا، فلم يعد المجال مفتوحًا أمام الفنانين للعرض إلا فى القاهرة التى تستأثر بكل شىء، فالإسكندرية على عظمتها وتاريخها لا نكاد نعرف فيها تأثيرًا لأى قاعة عرض خاصة، كما أن إغلاق أتيليه الإسكندرية أثر سلبًا على عمل فنانى الإسكندرية الذين أصبحوا مضطرين للعرض فى القاهرة، كما ينعدم وجود قاعات العرض فى ضواحٍ مثل المعادى أو التجمع وزايد وأكتوبر، وهى مسألة تستدعى التوقف وتثير الأسى.