سحر الموسيقى

خولة مطر
خولة مطر

آخر تحديث: الأحد 7 مايو 2017 - 10:05 م بتوقيت القاهرة

فى المساء توقف الحديث عن التنمية المستدامة والفقر الذى ينهش فى عظام البلدان العربية والبطالة التى سرقت نصف الشباب إن لم يكن معظمهم والمرض والعوز والبيئة وتلوث المياه والمناخ والظلم وغيرها.. توقفت كل تلك الضوضاء وراح المشاركون ينغمسون فى بحثهم عن تفاصيل تلك المدينة والتى كما أسمتها صديقتى «واسطة العقد».. إنها «الرباط» وصوت الماء القادم من النافورة فى وسط ذاك الفندق العريق يذكرك بعراقة ودفء، وتحتار هل هو دفء التاريخ المعتق على ضفاف الأطلسى أم هو دفء أهلها الدائم!
***
يسرع المشاركون فى الخطى لينتقلوا إلى ذاك المسرح الذى بناه الفرنسيون ثم أعيد ترميمه حديثا.. فى خارج المسرح جمع غفير من المغاربة، نساء ورجال وأطفال كلهم قادمون لحفلة موسيقية للفنان «عمر خيرت» هى الأولى له فى هذه المدينة المعتقة بالمحبة.. وهو هنا للاحتفال بسنين من العلاقات المغربية المصرية.. هذه حقا الدبلوماسية الناعمة التى تحدث عنها طويلا أستاذى وأستاذ الكثيرين «جميل مطر».. عندما تحلق بالموسيقى فتنقل المستمع من مكان إلى آخر.. حلق أولئك المتعبون بتعب شعوب المنطقة وكوارثهم بعيدا وانتقلوا من لحن إلى آخر، أكثروا التصفيق والضحك فرحا بالموسيقى التى كان ينقشها المبدع «عمر خيرت». ولم يكتف الجمهور المغربى بالتصفيق بل راح يرسل الزغاريد والأهازيج المغربية التى تغنى فى الأفراح ابتهاجا وفرحا وتكريما لذاك القادم من تلك الأرض الطيبة.. انتشرت المحبة والحوارات الجانبية كانت فى مجملها متفقة على كم يعشق المغاربة عبدالوهاب وأم كلثوم والكثير من الفنانين المصريين بل وأكثر.
فى ذلك المسرح لم يكن للسياسة حضور إلا فى أشخاص السفراء الممثلين لحكوماتهم وهم فى مجملهم اندمجوا مع الحضور فى طقس بدأ بعيدا عن الواقع العربى الممزق.. طقس ملأته المحبة لمصر وشعبها وكذلك محبة من مصر للمغرب وشعبها.. تقارب الجميع مع اختلاف جنسياتهم وألوان بشرتهم وجوازات سفرهم.. فأولئك العرب المنغمسون فى وضع تصورات وخطط لتحقيق التنمية المستدامة والمنهكون فى تحقيق الهدف نفسه والزمن يسبقهم كما سبق من قبلهم، أولئك وجدوا فى تلك الدعوة الكريمة من سفير مصر فى المغرب واحة لهم بعد يوم من التعب النفسى كلما تذكروا عذابات شعوبهم إما بسبب النزاعات والحروب أو كما قال ذاك الشاعر تعددت الأسباب والموت واحد!
***
يقف المراقب من بعيد، يكاد لا يصدق أن هؤلاء كلهم عرب وهم نفسهم الذين تمزقوا حتى قيل إن التقسيم قادم وإن وقت التفتيت قد حان.. فبدلا من أن يواجهوا تلك الموجة العالية بالوحدة والترابط انقسموا وتفتتوا وأصبح لكل همه أو حريقه الذى عليه أن يطفئه، وكأن هذا الحريق لن ينال من جاره وجار جاره وما بعدهم.. يستيقظ هو من غفلة سريعة على عزف «فيها حاجة حلوة» وفيما كان البعض يتصور أنها قد تكون مؤثرة للمصريين فقط وقف المغاربة يرددون الكلمات فيما الفنان عمر خيرت يغازل أصابع البيانو بكثير من الحب والحنية بل قل يحتضنها ويعزف بدقات قلبه.
تتمايل الأجساد يمينا ويسارا والموسيقى تعلو وتنخفض كموج بحر يداعب شاطئا رمليا.. وعمر خيرت يقود فرقته المؤلفة من الكثير من المبدعات والمبدعين من أعمار مختلفة فى رحلة ليحلق بالحضور فوق القمر بعض الشىء ويعود بهم إلى «وجه القمر» ثم فى «هويد الليل» و«مكان فى القلب»..
نقلت الموسيقى الحضور من واقع إلى آخر وفى الختام عاد عمر خيرت مرة أخرى إلى عزف «فيها حاجة حلوة» وكأنه قد قرأ الحضور جيدا وعرف مذاقهم فى الموسيقى وتعرف على درجة المحبة التى تربطهم بتلك التى «فيها حاجه دافية».
***
هى ليست فقط الدبلوماسية الناعمة التى نحن بأشد الحاجة لها، بل هى أيضا النافذة التى تفتح من جديد لتؤكد على حجم التقارب بين شعوبنا.. أى بين الناس البسطاء أينما كانوا.. لتعيد بعض الجمال الذى أفسدته بل قبحته السياسة والاقتصاد والمصالح الضيقة والنظرة الأضيق وكثيرا من الجهل فى فهم سحر تلك الابداعات من «موسيقى وفن وجمال» والتى بإمكانها خلق تقارب أوسع بين البشر بدلا من تقسيمهم إلى أنا والآخر..

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved