حل أمريكى لمعضلة النظافة فى مصر

محمد المنشاوي
محمد المنشاوي

آخر تحديث: الجمعة 7 يونيو 2013 - 10:38 ص بتوقيت القاهرة

جاءت قضية النظافة على رأس أولويات الرئيس محمد مرسى، لذا اقترح الرئيس فى بداية أيام حكمه إقامة حملة قومية للنظافة عنوانها «وطن نظيف ليس فيه قمامة».

 

ثم خرجت بيانات رسمية، تشير إلى أنه تم رفع كفاءة الأجهزة التنفيذية ذات الصلة بمنظومة النظافة بنسبة تتراوح بين 30 و40 بالمائة، والانتهاء من دراسة تحويل المخلفات إلى طاقة، والانتظام فى عملية رفع المخلفات والتفاوض مع الشركات الأجنبية العامة فى مجال رفع القمامة. 

 

إلا أن هذه البيانات تجاهلت جوهر القضية الذى يعد المعوق الأكبر لأى حل لقضية النظافة فى مصر والمتمثل فى سوء الصورة الذهنية العامة «لعامل أو عاملة النظامة» ودونيتهم عند عموم الشعب المصرى، وعدم تقدير الدولة والمجتمع لطبيعة عملهم.

 

••• 

كتبت سابقا عن قصة نشرت فى الصفحة الأولى من صحيفة واشنطن بوست تصدرها صورة ضخمة للسيد «رون هايلير» Ron Hillyer، مصحوبة بتحقيق طويل عن عمله وعن حياته، وذلك بمناسبة إطلاق أحد أكبر مدارس واشنطن الابتدائية، والتى تقع بمنطقة تانلى تاون الثرية فى العاصمة الأمريكية، اسمه على أكبر قاعاتها.

 

يبلغ هايلير من العمر 57 عاما، قضى منها 30 عاما «عامل نظافة» فى المدرسة التى كرمته. بدأت القصة عندما طلب أحد تلاميذ الصف الثالث الابتدائى من ناظرة المدرسة أن يطلق اسم الرجل، وهو من الأمريكان السود، الذى أفنى عمره فى تنظيف المدرسة وفى جمع مخلفات الطلبة والمدرسين، على أكبر قاعات المدرسة. وما كان من ناظرة المدرسة إلا أن طرحت الفكرة على المدرسين والعاملين بالمدرسة، ووافقت الأغلبية على الاقتراح.

 

لم ينشأ هايلير حالما بالوظيفة التى قضى فيها معظم سنوات حياته، بل حلم أبوه، الذى كان يعمل سائقا للتاكسى، أن يكمل ابنه تعليمه الجامعى، وحلم هايلير أن يعمل مذيعا أو ممثلا. إلا أن هايلير لم يكمل تعليمه الجامعى رغم قبوله فى جامعة ميرلاند وذلك لأسباب مالية، وبعد ذلك بدأ وظيفة عامل نظافة بإحدى المدارس خارج واشنطن، قبل أن ينتقل للعمل بمدرسة جينى الابتدائية عام 1981.

 

ولم ينكر هايلير ندمه على عدم تحقيقه لأحلامه الوظيفية، إلا أنه أكد «أن العمل فى مجال النظافة ليس عيبا خاصة عندما تدرك أن عملك من أهم الأعمال، وعندما يحترمك الجميع على ما تقوم به».

 

لم يكن هايلير عامل نظافة معتادا، فقد كان يثق فيه التلاميذ الصغار كثيرا نظرا لأنهم اعتادوا رؤيته كل يوم يقوم بأعمال النظافة فى جدية شديدة. وكان هايلير يحكى للتلاميذ قصصا كثيرة عن الصراع من أجل الحقوق المدنية الذى خاضه الأمريكيون السود خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضى.

 

وصورت واشنطن بوست، التى تعد من أهم صحف العالم، فى تقريرها تفاصيل حياة وعمل السيد هايلير. وما قامت به واشنطن بوست يعد فى ذاته درسا مجانيا للصحافة والإعلام المصرى. وبرغم التقدم الكبير الذى حققه إعلامنا على صعيد حرية التعبير السياسى، إلا أن صحافتنا لم تخرج بعد على قيود النظام الاجتماعى. ومازالت تنتهج «أسلوب القطيع الصحفى» فى اختيار الموضوعات التى تعالجها. ولم تجرؤ بعد على اختيار موضوعات مختلفة تعلى من قيمة المواطن العادى، وتبرز بعض القيم التى نحن فى أشد الحاجة إليها، وعلى رأسها قيمة بعض المهن الشريفة بغض النظر عن نظرة المجتمع الدونية والمريضة لها.

 

•••

قضية قذارة مصر أخطر من مجرد وجود تلال من الزبالة فى مختلف المناطق الفقيرة والغنية منها، بل تتعلق برؤيتنا لقيمة النظافة وقيمة العاملين بها. ينظر المجتمع المصرى لعمال النظافة نظرة دونية، ويتم التعامل معهم مثل التعامل مع الشحاذين.

 

فى الولايات المتحدة يبلغ متوسط مرتب عامل النظافة الشهرى ما يقرب من 3 آلاف دولار شهريا، ويزداد المرتب مع زيادة عدد سنوات الخبرة، ويعادل ذلك متوسط دخل خريج جامعى حديث، لذا لا يقوم أحد بتقديم حسنة أو صدقة لعامل النظافة أثناء تأديته لمهام وظيفته، ولا هو ينتظر ذلك. أما اليابان، فيطلق فيها على عامل النظافة اسم «مهندس الصحة والنظافة» حيث إنه شخص مسئول عن صحة المدينة، ويخضع عامل النظافة هناك إلى اختبارات عدة للتأكد من قدرته الصحية والعقلية على القيام بمهامه!.

 

تصنف المجتمعات إلى عدة مراتب فيما يتعلق بالنظافة، فئة أولى دول لا يمكن أن نتخيل فيها مواطنا يلقى ورقة أو عقب سجائر فى الشارع، ويصاحب ذلك احترام شديد لوظيفة عمال النظافة. الفئة الثانية دول تقوم فيها البلديات ليلا بجمع ما يلقيه المواطنون المستهترون فى الشوارع نهارا، وهذه الدول تكون غير نظيفة نهارا ونظيفة ليلا.

 

أما مصر، فللأسف تقع ضمن الفئة الثالثة التى يقوم مواطنوها بإلقاء مخلفاتهم فى الطرقات، ولا يجمع أحد زبالة شوارعها وحواريها وعشوائياتها لا ليلا ولا نهارا، وهو ما يؤدى لانتشار الأمراض والأوبئة. ويعجز عامل النظافة فى هذه الفئة من الدول عن توفير قوت يومه، ويعتمد فى دخله على ما تجود به الأيدى.

 

كثيرا ما التقى أصدقاء أمريكيين بعد عودتهم من مصر، واعتدت دوما سماع عبارات المديح فى تميز جمال مصر وخصوصية القاهرة عن غيرها من الدول والمدن، إلا أن جميعهم يذكرون على استحياء أن القاهرة رغم عظمتها تبقى مدينة شديدة القذارة، ويرتبط التعجب من قذارة المدينة بالاستغراب حين يشيدون بالنظافة داخل بيوت المصريين التى زاروها!

 

•••

لو كان رون هايلير مصريا، لكان عاش مهمشا يشحذ قوت يومه، ومات فى وظيفة صنفها المجتمع بالوضاعة، وانسحب قدره إلى مستقبل أبنائه. أما «رون هايلير الأمريكى»، فقد تقاعد فخورا بحجم ما أسهم به لمجتمعه، وذلك بعدما اطمأن على ابنته الوحيدة بعدما قبلت لبدء الدراسة فى جامعة جورج واشنطن المرموقة بالعاصمة الأمريكية.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2022 ShoroukNews. All rights reserved