الزعيم والباشا وحتمية المذبحة
سمير عمر
آخر تحديث:
الأحد 7 يونيو 2026 - 7:35 م
بتوقيت القاهرة
معقدة هى العلاقة التى ربطت الباشا محمد على بالزعيم عمر مكرم.
فقد كان الباشا يقدر الزعيم ويحترمه، لكنه كان يخشى حضوره الطاغى ونفوذه الواسع، وقد ظهر حجم هذا التناقض فى تلك العلاقة المعقدة، بعد نحو تسع سنوات من قرار محمد على بإبعاد عمر مكرم إلى دمياط ومنها إلى طنطا، وبالتحديد فى عام 1818 حين طلب عمر مكرم الإذن له بأداء فريضة الحج، وقد وافق محمد على، على الطلب بل وأرسل له رسالة غاية فى التهذيب والاحترام قال فيها: «مُظهر الشمائل سنيها، حميد الشئون وسميها، سلالة بيت المجد الأكرم، والدنا السيد عمر مكرم ، دام شأنه».
هكذا خاطب الوالى محمد على باشا الزعيم عمر مكرم، بعد تسع سنوات من قراره بإبعاده وتجريده من كل شىء.
وعلى هذا النحو كانت العلاقة بين الباشا والزعيم غاية فى التعقيد، وقد لخصها محمد على ذات مرة بقوله لجلسائه: «أنا لم أتركه فى الغربة هذه المدة إلا خوفا من الفتنة، والآن لم يبق شىء من ذلك، فإنه أبى وبينى وبينه مالا أنساه من المحبة والمعروف».
هو الخوف من «الفتنة» إذن الذى دفع محمد على إلى إبعاد عمر مكرم عن العاصمة.
لكن أى فتنة تلك التى خشيها محمد على من وجود عمر مكرم فى القاهرة؟ إنها فتنة الزعامة الشعبية والحضور الجماهيرى فى ظروف رأى محمد على فيها أنه بحاجة إلى تثبيت أركان حكمه دون منازعة من زعيم يحبه الناس، ويذكره دائما بما قطعه على نفسه من عهد من أن يسير فى الناس بالعدل.
كان محمد على يريدها سنوات خالية من الضغط الشعبى المتزايد حتى يتمكن من إنجاز مهمتين رئيسيتين: مواجهة المماليك والقضاء على نفوذهم الواسع وجرائمهم المهددة لاستقرار أحوال البلاد والعباد، ومواجهة الباب العالى وتكريس حكمه على مصر بعيدا عن سيطرة الخليفة العثمانى.
وقد كان بعد أن تخلص محمد على من الحضور الطاغى المؤثر شعبيًا للزعيم عمر مكرم أن تفرغ لإنجاز المهمتين.
عامان تقريبًا أمضاهما محمد على فى حكم مصر بعد إبعاد عمر مكرم إلى دمياط فى مواجهة نفوذ المماليك الذى كان يشكل خطرًا داهمًا ليس على تكريس حكمه وحسب، بل على استقرار الأحوال فى مختلف ربوع البلاد حتى كان يوم الأول من مارس عام 1811.
فى هذا اليوم أقدم محمد على، على ما عرف بـ«مذبحة القلعة» والتى مكنته من القضاء على المماليك وإنهاء حضورهم فى المشهد المصرى بعد أن دعاهم لتوديع ابنه طوسون الذى سيخرج على رأس حملة عسكرية لمواجهة الوهابيين فى بلاد الحجاز، وكانت المفاجأة التى اعتبرها كثيرون نقطة التحول الكبرى فى تاريخ مصر الحديث، إذ هاجم جنود محمد على المماليك بعد أن أُغلق «باب العزب» الشهير بالقلعة فى وجوههم فور عبور ابنه طوسون ومحافظ القاهرة ومن معه من رجال محمد على، وبدأ رجال الباشا فى إطلاق النار على المماليك، ثم واصل الجنود التابعون لمحمد على أعمال الملاحقة، ونهب بيوت كبار القادة والأعيان، وبلغ عدد من قتلوا من المماليك فى هذه المذبحة نحو ألف من الأمراء والكشاف والجنود.
بل وبالغ الجنود الأرناؤوط فى أعمال السلب والنهب حتى طالت بيوت المصريين وعمت الفوضى، ولم يوقف هذا التخريب سوى نزول محمد على من القلعة وتصديه لجرائم جنوده الأرناؤوط هو وابنه طوسون.
ولم يبق من «الفتنة» التى يخشاها محمد على سوى عدد من الجنود الأرناؤوط المزعجين، فرأى أن يرسلهم فى الحملات العسكرية التى وجهها إلى الحجاز لملاقاة الوهابيين، فيكون قد ضرب عصفورين بحجر واحد، فهو من جهة يتخلص من الجنود الأرناؤوط ومن جهة أخرى يرضى الباب العالى بمواجهة الوهابيين بعد أن أخفقت عدة حملات فى التصدى لهم، وهنا وهذا هو الأهم يكون قد نال شرف القضاء على العصيان الوهابى وحماية بيت الله الحرام، وكرس حضوره وعزز أركان حكمه لمصر مستقلا ولو بشكل نسبى عن الخليفة العثمانى ، وهذا ما كان عليه الوضع فى مصر عام 1818 حين طلب السيد عمر مكرم الإذن بحج بيت الله الحرام
صحيح أن مذبحة القلعة قد تركت جروحًا غائرة فى نفوس المصريين وأصابتهم بالرعب وقطعت الطريق على تنامى «الروح الوطنية» فى مواجهة انفراد محمد على بالحكم، لكنها من ناحية أخرى كانت ضرورية لمواجهة جرائم المماليك ضد المصريين، وحتمية لبناء مصر الحديثة وتأسيس جيش وطنى قوامه الرئيسى من المصريين وهو ما سيكون له بالغ الأثر فى تطور بناء الدولة ومؤسساتها لاحقا.