لماذا يتجسس الصبى على معلمه؟!
عماد الدين حسين
آخر تحديث:
الأحد 7 يونيو 2026 - 7:30 م
بتوقيت القاهرة
ما الذى يدفع إسرائيل إلى التجسس على ولية نعمتها أمريكا، أليس ذلك أمرا غريبا، ويتنافى مع علاقات التحالف، ناهيك عن الأخلاق والقيم والشرف، والأهم ما فعلته الولايات المتحدة منذ اعترافها بإسرائيل عام ١٩٤٨، وحتى الآن؟!
قبل أن نجيب عن هذا السؤال نشير بسرعة إلى التقرير المهم الذى نشرته صحيفة النيويورك تايمز مساء أمس الأول السبت وكشفت فيه نقلا عن مسئولين أمريكيين أن إسرائيل كثفت جهودها الاستخبارية للتجسس على كبار المسئولين الأمريكيين للحصول على أى معلومات تتعلق بالمحادثات الجارية بين أمريكا وإيران.
التقرير يقول إن أمريكا ترى أن المحاولات الإسرائيلية تجاوزت كل الحدود بين الحلفاء وبدت غير منضبطة على نحو غير مسبوق وفاقت ما تقوم به دول مصنفة على أنها عدو لأمريكا.
التقرير يكشف أن إسرائيل تنصتت على المفاوض الأمريكى ستيف ويتكوف، كما حاولت اختراق شبكات الاتصال الحساسة عبر زرع برمجيات متطورة لضمان تدفق المعلومات حول مضمون المحادثات.
طبقا للتقرير فإن التجسس الإسرائيلى دفع أجهزة الأمن القومى الأمريكية المختلفة إلى تشديد القيود وتصنيف الاختراق الاستخبارى الإسرائيلى كتهديد أمنى متزايد.
انتهى مضمون تقرير النيويورك تايمز المهم ونعود إلى السؤال الذى بدأنا به حول ما الذى يدفع الصبى الإسرائيلى للتجسس على معلمه الأمريكى الذى يتكفل به من الألف الى الياء؟!!.
فى عالم السياسة والمصالح لا شىء ينتمى للأخلاق بالمعنى الشائع، وإسرائيل بما عرف عنها من انتهازية بلا حدود تتجسس على الجميع تقريبا.
هى تتجسس الآن على أمريكا لمجموعة واسعة من الأهداف أولها أن تعرف ما الذى يدور فى غرف المحادثات، وما يدور بين المسئولين الأمريكيين أنفسهم بشأن هذه المحادثات مع إيران، وما هى التنازلات المحتملة التى ستقدمها أمريكا لإيران.
لو اطلعت إسرائيل على هذه المعلومات فيمكنها أن تتخذ قرارات سريعة بتأييد هذه المحادثات إذا كانت فى صالحها، أو العمل على نسفها وتخريبها إذا كانت ضدها.
سيسأل البعض ساخرا ومتهكما ومستنكرا ويقول: ولكن أمريكا قدمت كل أنواع المساعدات لإسرائيل فى الماضى والحاضر، ولولاها لكانت إسرائيل انتهت منذ عقود، وأمريكا تحارب فعليا الآن من أجل مصلحة إسرائيل وليس من أجل مصالحها كما يقول بعض الخبراء والمحللين فى أمريكا نفسها؟
السؤال منطقى ومشروع، ولكنه لا ينطبق على إسرائيل التى ترفع حكوماتها المختلفة شعار «الغاية تبرر الوسيلة».
ترامب قدم لإسرائيل ما لم يقدمه رئيس أمريكى من قبل ويصعب تصور أن يأتى رئيس آخر بعده ليكرر ما فعله ترامب مع إسرائيل.
لكن إسرائيل تريد حلب أمريكا حتى آخر قطرة معلومات لأنها تخشى أن ينقلب عليها ترامب حينما يتأكد لديه بما لا يدع مجالا للشك أن رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو قد خدعه وورطه فى حرب عبثية مع إيران قد تكلفه وبلاده الكثير.
هل ما فعلته إسرائيل مؤخرا أمر جديد وغير مسبوق؟!
الإجابة هى لا، ونموذج جوناثان بولارد خير دليل على ذلك، ويؤكد أن التجسس الإسرائيلى على أمريكا مستمر وسوف يستمر.
بولارد مواطن أمريكى يهودى ولد عام ١٩٥٤ فى تكساس الأمريكية وعمل محللا استخباريا مدنيا فى استخبارات البحرية الأمريكية مما أتاح له الوصول إلى كميات هائلة من الوثائق السرية والعسكرية.
جندته إسرائيل عام ١٩٨٤ وسلمها آلاف الوثائق الخطيرة التى تتعلق بالقدرات العسكرية العربية والسوفييتية وطرق جمع المعلومات الأمريكية وكذلك صور أقمار صناعية وهى وثائق تملأ غرفة كاملة حرفيًا. وتلقى عشرات الآلاف من الدولارات.
بولارد قال إنه تجسس على أمريكا لأنه اعتقد أنها تحجب عن إسرائيل معلومات ضرورية لأمنها. تم اكتشاف تجسسه فى نوفمبر ١٩٨٥، وحاول اللجوء للسفارة الإسرائيلية، لكنهم رفضوا إدخاله فتم اعتقاله أمام السفارة. ومحاكمته والحكم عليه بالسجن المؤبد وعلى زوجته بخمس سنوات.
إسرائيل أنكرت مسئوليتها، ثم اعترفت تدريجيا، وقدمت اعتذارا رسميا، ثم منحت بولارد جنسيتها عام ١٩٩٥.
غالبية الرؤساء الأمريكيين رفضوا الإفراج عنه لأن الضرر الذى سببه كان واسعا جدا خصوصا أنه كشف أساليب ومصادر عمل أجهزة الاستخبارات الأمريكية.
تم الإفراج عنه فى عام ٢٠١٥ بشروط رقابية وفى ديسمبر ٢٠٢٠ انتقل إلى إسرائيل واستقبله نتنياهو استقبالا رسميا.
بالمناسبة آخر تصريحات بولارد فى مايو الماضى مع منصة «عروتس شيفع» أن العاصفة قادمة وإسرائيل يجب أن تستعد للحرب القادمة التى قد تكون ضد مصر وتركيا.
السؤال إذا كانت إسرائيل تجسست على ولية نعمتها وماتزال تتجسس، فماذا تفعل مع الآخرين أو «الأغيار» المصنفين خصوما أو أعداء؟!
على الجميع أن يحترس.