وانتصرت المتاريس على الذاكرة

خولة مطر
خولة مطر

آخر تحديث: الأحد 7 يونيو 2026 - 7:30 م بتوقيت القاهرة

جلسوا على طرفى القاعة يتربص بعضهم ببعض. هم أنفسهم الذين كانوا قبل أيام أو أسابيع أو سنوات يجلسون على المقاعد ذاتها فى المدرسة الحكومية أو الخاصة، ويلعبون فى الحارة نفسها أو النادى نفسه، ويتبادلون الزيارات فى الأعياد والمناسبات، أو حتى على فنجان قهوة أو كوب شاى. بعضهم كان يتفادى أن تلتقى عيناه بعينى الآخر؛ ربما خوفًا من مواجهة لا يريدها، أو من عتبٍ قد يفضحه النظر، أو من شوقٍ لا يليق بزمن المتاريس. أليست العين مغرفة الكلام؟

• • •

ما إن بدأ الاجتماع حتى تحولت القاعة إلى كتلتين متحفزتين. صار لكل كلمة خندق، ولكل فاصلة متراس، ولكل رأى سلاح. ارتفعت الأصوات قبل أن ترتفع الأيدى، وانطلقت الاتهامات قبل أن تكتمل الجمل. كلمات لم يكن أحدهم يتخيل يومًا أن يوجهها إلى جاره أو زميله فى المدرسة أو الجامعة، أصبحت اليوم جزءًا من قاموس يومى.

• • •

كان المشهد أشبه بحربٍ بلا رصاص. السيوف هنا من كلمات، والخناجر من عبارات، لكن الجروح ليست أقل عمقًا. وحين يُستباح الاحترام، وتُهان الذاكرة المشتركة، وتُمحى سنوات الجيرة والصداقة، يصبح العنف اللفظى وجهًا آخر للعنف نفسه.

• • •

وحين حان موعد استراحة القهوة، تنفس البعض الصعداء. ربما لأنهم احتاجوا إلى هواء أقل تلوثًا بالكراهية، أو لأنهم أرادوا التمسك ببقايا أمل. وقف الفريقان فى صفين متقابلين، كأنهما فريقا كرة قدم يستعدان لحماية مرمييهما. حتى عبارات المجاملة البسيطة اختفت. لم يعد أحد يقول: «تفضل»، أو «من فضلك»، أو «اسمح لى». وكأن اللغة نفسها أصبحت ضحية أخرى للصراع.

• • •

قال أحدهم: «هم لا يشبهوننا». وردت أخرى: «كيف نجلس معهم وقد قُتل أبناؤنا تحت قصفهم، أو فى سجونهم، أو ماتوا قهرًا وتهميشًا؟». حاولت أن أذكرهم بأن الحوار لا يكون بين المتفقين، وأن التفاوض لا يجرى بين من لا خلاف بينهم. لكن السؤال ظل عالقًا فى الحلق كالغصة: كيف تمزق المجتمع إلى هذا الحد؟

• • •

ومتى أصبح سؤالك الأول لأى شخص، جارًا كان أو صديقًا أو معرفة، سؤالًا تغلفه بزركشة وهمية تتصور أنها ستحمى باطنه الطائفى أو الانقسامى أو المغمس بالكراهية: «ما دينك؟» أو «ما طائفتك؟» أو «ما مذهبك؟» أو حتى «من أى منطقة أو مدينة أنت؟». كم هو صعب أن ترى نفسك فى أوطان قسمتها سردية نسجها الصهاينة وأصدقاؤهم وحلفاؤهم فى كتب المدرسة ومواعظ الكنيسة أو الجامع أو غيرهما، وفى الصحافة والإعلام ووسائل التواصل. ألم يُكشف عن شبكة واسعة من جيش إلكترونى يجلس فى إحدى القاعات تحت الأرض فى تل أبيب ويحمل أسماء عربية، تقول للسنى أو الشيعى أو العلوى أو الدرزى أو المسيحى أو الكردى أو الأمازيغى أو الإسماعيلى إنهم يكرهونك ونحن الأقرب لك؟! كيف نعيد بناء أوطاننا بعد أن تم شحننا بهذا الكم من الكراهية لآخر خلقوه، رغم أنه الأقرب لنا؟؟

• • •

وربما يكون أخطر ما فى الأمر أن الناس يظنون أنهم اختاروا هذه المتاريس بأنفسهم، بينما تكون قد شُيدت حولهم بصبرٍ ودقة على مدى سنوات. عندها يصبح الانقسام وكأنه حقيقة أزلية، لا نتيجة لسياسات وصراعات ومصالح أرادت دائمًا أن يبقى المجتمع منشغلًا بنفسه بدلًا من أن يلتفت إلى من يستفيد من تمزقه.

ويبقى السؤال الذى لا مفر منه: كيف نعيد بناء أوطاننا بعد كل هذا؟

• • •

ربما تكون البداية متواضعة إلى حد السذاجة: أن نستعيد قدرتنا على رؤية الإنسان قبل الطائفة، والمواطن قبل الجماعة، والجار قبل السردية التى قيلت لنا عنه. أن نتذكر أن الذين يجلسون اليوم خلف المتاريس نفسها، كانوا بالأمس يقفون معًا فى الطابور ذاته، ويحلمون بالأشياء ذاتها، ويضحكون للنكات نفسها.. فالأوطان لا تنهار فقط عندما تُقصف مدنها، بل حين يقتنع أبناؤها بأن ما يجمعهم أقل مما يفرقهم!!!

كاتبة بحرينية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved