عبد الناصر وإيران.. دروس النكسة والصمود
محمد سعد عبدالحفيظ
آخر تحديث:
الأحد 7 يونيو 2026 - 7:35 م
بتوقيت القاهرة
لا يمكن لأحد أن ينكر أن الأخطاء التى وقعت فيها جمهورية يوليو 1952، مهدت الطريق إلى نكسة يونيو 1967، فالاعتماد على أهل الثقة، وتهميش أصحاب الرأى والخبرة، وغياب الرقابة، كلها عوامل صنعت شروخا عميقة فى بنية الدولة وأضعفت قدرتها على مواجهة التحديات.
كان جمال عبد الناصر أول من اعترف بذلك، فبعد ساعات من الهزيمة أعلن تحمله المسئولية كاملة وقرر التنحى، قبل أن تجدد فيه الجماهير الثقة وتمنحه تفويضا لإصلاح ما جرى.
لم يتوقف الأمر عند الإقرار بالمسئولية، إذ شهدت الشهور التالية مراجعات واسعة انتهت إلى بيان 30 مارس 1968، الذى تضمن اعترافا بأخطاء التجربة، ودعوة إلى توسيع المشاركة وتعزيز استقلال القضاء والاعتماد على الكفاءة لا الولاء.
تكشف محاضر اجتماعات الحكومة بعد النكسة حجم المرارة التى شعر بها الرجل وهو يراجع تجربته، كان يتحدث عن سلطة أصبحت «عاجزة عن سماع النقد»، وعن نظام بدأ «يتآكل من الداخل».
غير أن الاعتراف بهذه الأخطاء لا يعنى أن النكسة كانت نتاجا لها وحدها، فمشروع دولة يوليو كان موضوعا على قوائم الاستهداف منذ سنواته الأولى؛ فقد اختار عبد الناصر ورفاقه الخروج من العباءة الغربية، ودعم حركات التحرر الوطنى، وبناء قاعدة صناعية، ورفض الصلح مع إسرائيل، والسعى إلى إقامة مشروع عربى يمتلك قراره.
لم يكن الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، مستعدا للسماح للتجربة المصرية بأن تكتمل، وهى ترفع لواء الاستقلال الوطنى، وتنازع القوى الكبرى نفوذها، وترفض التسليم بإسرائيل؛ فالدولة العبرية لم تكن، فى نظر تلك القوى، مجرد حليف إقليمى، بل رأس الحربة الذى يحرس مصالحها ويضمن استمرار هيمنتها على الشرق الأوسط.
من هنا كان النموذج الذى سعى عبد الناصر إلى تأسيسه هدفا مباشرا للاستهداف؛ فبناء دولة عربية قوية، تمتلك قرارها وتسعى إلى تحقيق حلم الوحدة العربية، كان يعنى تهديدا مزدوجا؛ لإسرائيل، ولمنظومة النفوذ الغربى التى واصلت التحكم فى مقدرات المنطقة وقرارها السياسى حتى بعد انتهاء حقبة الاستعمار التقليدى.
فى نهاية عام 1952 حاولت بريطانيا إقناع عبد الناصر بفتح قنوات اتصال مع تل أبيب، فرفضها، وأكد أن أولويته هى «الاستقلال الوطنى والتنمية وبناء الدولة».
ذلك الرد كان كافيا لإطلاق أجراس الإنذار فى تل أبيب وواشنطن؛ فالغرب لم يكن يخشى دولة عربية ضعيفة تبحث عن المساعدات والحماية، وإنما كان يخشى دولة قوية تسعى إلى امتلاك قرارها وتحرير إرادتها؛ وهو ما عبّر عنه ديفيد بن جوريون فى تعبيره الشهير «لا أريد رجلا فى القاهرة يهتم بالتنمية قبل أن يعقد صلحا معنا».
لهذا يصعب النظر إلى هزيمة يونيو باعتبارها نتيجة أخطاء داخلية فقط؛ نعم، تلك الأخطاء مهدت الطريق للهزيمة، لكن هناك من كان ينتظر استغلالها لإجهاض مشروع كامل رآه تهديدا مباشرا لمصالحه.
رغم قسوة النكسة، لم تنجح إسرائيل فى إخراج مصر من معادلة الصراع كما كانت تأمل؛ فقد أعادت القاهرة بناء جيشها، وخاضت حرب الاستنزاف، ثم عبرت القناة فى أكتوبر 1973، لتثبت أن هزيمة يونيو كانت مجرد عثرة.
غير أن المفارقة تمثلت فى أن ما عجزت هزيمة 1967 عن تحقيقه، تحقق سياسيا بعد نصر 1973؛ فبينما نجح الجيش المصرى فى تحطيم أسطورة «الجيش الذى لا يُقهر»، تكفلت السياسة بإعادة رسم خريطة المنطقة على النحو الذى كانت واشنطن تسعى إليه؛ وهو ما لخصه محمد حسنين هيكل فى عبارته البليغة «حين خذلت السياسة السلاح».
كان هنرى كيسنجر يدرك أن الطريق إلى الهيمنة الأمريكية على المنطقة لا يمر عبر الحروب وحدها، بل عبر تفكيك النظام العربى، وعزل دوله عن بعضها البعض، ثم جرّها إلى مسارات تفاوض منفردة؛ وبعد سنوات من نصر أكتوبر، بدا وكأن المنطقة تسير خطوة تلو الأخرى وفق هذا التصور، الذى تحول إلى واقع سياسى كامل.
ومن هذه الزاوية تكتسب المقارنة مع إيران دلالتها؛ فكما اصطدمت دولة يوليو بالمشروع الأمريكى ودخلت فى مواجهة مفتوحة مع إسرائيل وحلفائها، تواجه الجمهورية الإسلامية اليوم ضغوطا مشابهة لأنها ترفض الانخراط فى الترتيبات التى تريدها واشنطن للشرق الأوسط.
لكن الفارق أن طهران تبدو، حتى الآن، أكثر تمسكا بخياراتها الاستراتيجية، وأكثر قدرة على تحمل كلفة المواجهة، وأقل قابلية للانتقال إلى المسار الذى سلكته مصر منذ «كامب ديفيد».
انتهى مشروع عبد الناصر بوفاة صاحبه، بعدما أدرك الأخطاء التى قادت إلى النكسة وحاول تصويب مسارها؛ أما خلفاؤه فلم يرثوا من المشروع سوى عيوبه وأضافوا إليها أخطاء جديدة تراكمت حتى أوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم.