الانكشاف اللبنانى.. الأسئلة المتفجرة!
عبد الله السناوي
آخر تحديث:
الأحد 7 يونيو 2026 - 7:25 م
بتوقيت القاهرة
من يمثل لبنان فى تقرير مصيره؟
بصياغة أخرى، من يحق له التفاوض، أو الحرب باسمه؟
السؤال بذاته يعبر عن انكشاف سياسى واستراتيجى ومجتمعى فى بلد مصيره معلق على تدافع الأحداث الملتهبة فيه وحوله.
بالبداهة فإنها السلطة اللبنانية، لكن أية سلطة بالضبط إذا غاب الحد الأدنى من التوافق الوطنى وخضع السؤال بحمولاته المتفجرة لحسابات الانقسام السياسى والطائفى الفادح؟!
وباليقين فإن المجتمع اللبنانى، بكافة مكوناته وطوائفه، متعب ومنهك، من حقه الحياة بأمن وسلام والتطلع إلى شىء من الاستقرار وتحسّن مستويات المعيشة، لكن بأى ثمن؟!
هذا سؤال آخر يتهدد بالعمق قدرة البلد على البقاء.
بمجرد إعلان اتفاق لبنانى إسرائيلى برعاية أمريكية كاملة على وقف إطلاق النار أطلت أخطار مستجدة على المشهد الداخلى المحتقن، كأن كرة لهب أُلقِيَت بداخله.
حزب الله، الطرف المباشر الآخر فى المواجهات العسكرية مع دولة الاحتلال، أعلن بصورة قاطعة معارضته لاتفاق واشنطن بحمولاته واشتراطاته، التى تجعل القبول به «وثيقة هزيمة استسلام».
بدت المعضلة - هنا- أن من يتفاوضون ليسوا هم من يقاتلون.
إنه التفاوض من موقع ضعف، أو التفاوض من أجل التفاوض - بتعبير الزعيم الدرزى «وليد جنبلاط»، محذرًا من «إعادة تكرار مسار اتفاقيات أوسلو، حيث قد يصبح قسم من الجنوب وتراثه وشعبه فى خبر كان، كما يحدث فى فلسطين المحتلة».
نسبت السلطة بجناحيها الرئاسى والحكومى مسئولية فشل وقف إطلاق النار إلى إيران مباشرة.
بتعبير الرئيس «جوزيف عون» فإن «حزب الله لا يمثلنا»، كأنه إعلان قطيعة بين من يحملون السلاح دفاعًا عن الجنوب المستباح وسلطة الدولة، التى لا تملك أوراقًا تتعدى الرهان على تدخل أمريكى ما يوقف استباحة لبنان أرضًا وبشرًا.
«الشعب اللبنانى سأم الحرب بين إسرائيل وحزب الله».
هذا استنتاج فيه ظل من الحقيقة، لكنه لا يعكس جوانبها كلها، ولا يجيب على سؤال: من يحرر الأرض المحتلة؟
«إنها ليست حربنا، بل حرب الآخرين»، قاصدًا بصورة مباشرة إيران، التى «تستخدم لبنان كورقة ضغط فى مفاوضاتها مع الولايات المتحدة».
هذا استنتاج آخر يعوزه التدقيق فى معانيه وحساباته..
بعبارات مماثلة قال رئيس الوزراء «نواف سلام»: «إن الجنوب وأهله يدفعون مجددًا ثمن قرارات لم يتخذوها وحرب ليست حربهم».
«على إيران أن ترحم جنوبنا وأن تتوقف عن التعامل مع أهله كورقة ضغط».
المشكلة فى هذا الكلام السياسى أنه يتجاهل المسئولية السياسية والأخلاقية لدولة الاحتلال فى تشريد أهالى قرى وبلدات الجنوب ويحملها كاملة لإيران، معوِّلًا على إدارة الرئيس الأمريكى “دونالد ترامب” لوقف الحرب عبر التفاوض تحت رعايتها.
كما أنه يتجاهل أن هناك احتلالًا فعليًا للأراضى اللبنانية دون أن يكون لديه أية استراتيجية دفاعية تسوغ رفض أن يكون لإيران وغير إيران التدخل بذريعة الدفاع عن لبنان.
المفارقة الكبرى أن الإدارة الأمريكية نفسها تعترف بأنه لا يمكن الفصل بين مسارى التفاوض على الجبهتين الإيرانية واللبنانية.
لهذا السبب اضطر «ترامب» إلى الضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلى «بنيامين نتنياهو» لوقف أية هجمات على بيروت حتى لا يربك فرص التوصل إلى مذكرة تفاهم مع الإيرانيين، الذين أصروا وفق بنودها أن يشمل وقف إطلاق النار جميع الجبهات.
الحقيقة، التى يجب أن تقال، إن الضغط الأمريكى على إسرائيل يرجع الفضل فيه إلى إيران وحدها.
توازنات القوة هى التى تحكم فى نهاية المطاف لا مناشدات التدخل.
أخطر سيناريو ممكن أن تصل الاحتقانات إلى تفجير الوضع الداخلى كله، أو الوقوع فى أفخاخ إسرائيلية تستعيد بصورة أخطر وأفدح تجربة الحرب الأهلية، التى أهلكت البلد بين عامى (1975) و(1990).
بحجة أن حزب الله يرفض إعلان واشنطن امتنع المجلس الوزارى المصغر فى إسرائيل عن التصويت عليه.
كانت تلك مجرد ذريعة، لأن أسبابها فى العمل العسكرى ضد لبنان استراتيجية لا مؤقتة.
يلفت النظر- هنا- دعوة رئيس الأركان الإسرائيلى «إيال زامير»: «إذا كان هناك اتفاق يلبى الاحتياجات الأمنية الإسرائيلية فالأفضل أن يتم الآن لا بعد شهر».
كان ذلك اعترافًا من أعلى رتبة عسكرية إسرائيلية بقوة المقاومة اللبنانية وقدرتها على إلحاق الأذى الفادح بجيش دولة الاحتلال.
أمام تناقضات الوضع السياسى الداخلى، الخطيرة والمنذرة، اكتسبت مداخلة رئيس البرلمان «نبيه برى» أهميتها من أنها توفر فرصة بحث عن مساحة اتفاق وطنى تمنع تفجير الوضع الداخلى، أو الانزلاق إلى الاحتراب الأهلى.
بصياغته فإن «الاتفاق جرى تفخيخه»، معلنًا استعداده أن يوافق على انسحاب مقاتلى حزب الله من جنوبى الليطانى مقابل انسحاب إسرائيلى من المناطق المحتلة وتطبيق وقف إطلاق النار بلا شروط.
لم يكن اللقاء، الذى جمعه بقائد الجيش اللبنانى، بروتوكوليًا، فقد سافر بعده إلى إسلام أباد للقاء قائد الجيش الباكستانى.
إنه انفتاح لافت على المسار التفاوضى الإيرانى الأمريكى.
هناك فرضيتان رئيسيتان بخصوص الموقف الإيرانى من العمليات العسكرية الإسرائيلية فى لبنان.
إذا قبلت الفصل بين المسارين فإنها سوف تكون فى موضع إدانة سياسية وأخلاقية بتهمة التخلى عن المقاومة اللبنانية، التى قاتلت بجوارها فى الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها.
وإذا اشترطت أن يكون وقف الحرب شاملًا جميع الجبهات خاصة اللبنانية، فإنها سوف تتهم، كما حدث فعلا، بتوظيف مأساة الجنوب كورقة تفاوضية.
بأيّة قراءة موضوعية، فإن الموقف الإيرانى الضاغط على الإدارة الأمريكية، هو الذى استدعى غضبًا من «ترامب» على حليفه «نتنياهو»، مطالبًا بوقف الحرب على بيروت، الضاحية الجنوبية بالذات، التى تكاد أن تكون قد دُمِّرت بالكامل من كثافة الهجوم عليها، خشية إفساد التوصل إلى اتفاق مع الإيرانيين.
إنها مسألة توازنات قوى يمكن الاستفادة منها لصالح لبنان ووقف الحرب الهمجية عليه.
قوة حزب الله عنصر آخر فى معادلات الردع يفيد لبنان ولا يضره، إذا أمكن التوصل إلى استراتيجية دفاعية وطنية تقوى الدولة ولا تضعفها.
أسوأ خيار ممكن: إهدار عناصر القوة المتاحة رهانا على مناشدات لا يستجيب لها أحد.
الإسرائيليون الذين صاغوا إعلان وقف إطلاق النار وشروطه لم يلتزموا به دقيقة واحدة، ولم يكونوا بوارد الالتزام سواء وافق حزب الله على الإعلان أم رفضه.
كلما زادت فرص التوصل إلى مذكرة تفاهم أمريكية إيرانية لإنهاء الحرب تزيد بنفس القدر فرص وقف نار مستدام فى لبنان يؤسس لانسحاب إسرائيلى من أراضيه المحتلة.
لبنان يحتاج إلى مقاربات أخرى تقويه ولا تضعفه.