الثنائي الغريب ترامب وإنفانتينو.. وحدود النفوذ الشخصي

عبدالرحيم شلبي
عبدالرحيم شلبي

آخر تحديث: الثلاثاء 7 يوليه 2026 - 6:45 م بتوقيت القاهرة

عندما كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه أجرى اتصالًا هاتفيًا شخصيًا برئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) جياني إنفانتينو لبحث إيقاف تنفيذ عقوبة المهاجم الأمريكي فولارين بالوجون، وهو اتصال أثمر بالفعل، انصرف اهتمام كثيرين إلى نتيجة التدخل. لكن القضية الأهم ليست نجاح الاتصال في حد ذاته، وإنما ما يكشفه عن الحدود الفاصلة بين النفوذ السياسي واستقلال المؤسسات الرياضية الدولية.

 


للوهلة الأولى، يبدو ترامب وإنفانتينو شخصيتين يصعب الجمع بينهما. أحدهما شخصية رئيسية في السياسة الدولية، والآخر يقود المؤسسة المسئولة عن اللعبة الأكثر شعبية في العالم. غير أن السنوات الأخيرة شهدت تقاربًا لافتًا بين الرجلين، من لقاءات متكررة وإشادات متبادلة، حتى بدت العلاقة بينهما وقد تجاوزت حدود البروتوكول، وأصبحت نموذجًا للتداخل المتزايد بين السياسة وكرة القدم.
ولم تنشأ هذه العلاقة فجأة، وإنما تبلورت تدريجيًا. فقد دعا الرئيس ترامب جياني إنفانتينو إلى حضور مؤتمر السلام في شرم الشيخ، في مشهد حمل دلالات سياسية واضحة بالنسبة لرئيس منظمة رياضية دولية. ثم جاء قيام إنفانتينو بتقديم أول جائزة للسلام يمنحها الفيفا للرئيس الأمريكي. وقد لا يبدو أي من الحدثين استثنائيًا إذا نُظر إليه منفردًا، لكن اجتماعهما يكشف عن علاقة تجاوزت حدود المجاملات الرسمية المعتادة.
ولا اعتراض على أن تنشأ علاقات صداقة بين كبار المسئولين، بل قد تسهم أحيانًا في تيسير بعض القضايا. غير أن المؤسسات الدولية لا يكفي أن تكون مستقلة، بل يجب أيضًا أن تبدو مستقلة في نظر الجميع. وينطبق ذلك بوجه خاص على الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، فهذه المؤسسة تدير اللعبة التي يعشقها مليارات البشر، وتستمد مشروعيتها من اقتناع الجميع بأن اللوائح تُطبق على الجميع دون استثناء.
وهنا ينبغي التأكيد على أن القضية لا تتعلق بانتقاد فولارين بالوجون، فهو لاعب يحظى باحترام واسع، كما رأى كثير من المتابعين أن عقوبة إيقافه كانت قاسية. أما السؤال الحقيقي فهو: لماذا رأى رئيس الولايات المتحدة أن يتدخل بنفسه؟ لأن علاقته الشخصية برئيس الفيفا منحته، فيما يبدو، قناعة بأن هذا التدخل هو الطريق الأقصر لتحقيق النتيجة التي يريدها.
وليس هذا السلوك جديدًا في أسلوب إدارة ترامب. فمن يتابع مسيرته السياسية يلاحظ أنه يفضل تناول القضايا بنفسه عندما يعتقد أن فرص النجاح كبيرة، بينما يفوض غيره في الملفات التي تحيط بها درجة أكبر من عدم اليقين. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم إسناد الدور الرئيسي لنائب الرئيس جيه دي فانس في الاتصالات الخاصة بالأزمة الإيرانية. فإذا نجحت المفاوضات، كان بإمكان الرئيس أن يتصدر المشهد ويحصد ثمار النجاح، أما إذا تعثرت، فإن الكلفة السياسية المباشرة لن تقع عليه.
واللافت أن مفهوم النجاح نفسه بدا قابلًا لإعادة التعريف في الحالتين. ففي الأزمة الإيرانية، انتقل الاهتمام تدريجيًا من الأهداف العسكرية والسياسية المعلنة إلى تقديم إعادة فتح مضيق هرمز باعتبارها الإنجاز الأبرز. وفي ملف بالوجون، تحول النقاش من أداء المنتخب الأمريكي في البطولة إلى احتمال رفع الإيقاف عن لاعب واحد. وفي الحالتين، لم يعد السؤال: هل تحققت الأهداف الأصلية؟ بل أصبح السؤال هو كيف يمكن إعادة تعريف النجاح بما يتوافق مع النتيجة التي انتهت إليها الأحداث.
لكن المفارقة أن ما جرى خارج الملعب لم يغيّر شيئًا مما جرى داخله. فقد حقق المنتخب البلجيكي فوزًا واضحًا على نظيره الأمريكي، مؤكدًا أن النفوذ السياسي، سواء كان حقيقيًا أو متصورًا، قد يصنع عناوين الصحف، لكنه لا يحرز أهدافًا ولا يغيّر نتائج المباريات. فما إن يطلق الحكم صافرة البداية، حتى تصبح الكلمة للاعبين وحدهم، ويبقى الملعب هو الحكم الوحيد.
الثنائي الغريب الحقيقي ليس ترامب وإنفانتينو، بل السياسة وكرة القدم. فمن الطبيعي أن تلتقيا من وقت إلى آخر، خاصة في بطولة بحجم كأس العالم، لكن من غير المقبول أن يقترب أحدهما من الآخر إلى الحد الذي يثير الشكوك حول استقلال اللعبة. كرة القدم ملك للجميع، على اختلاف الجنسيات والانتماءات والمعتقدات، وقيمتها الحقيقية تقوم على المساواة في تطبيق اللوائح. فإذا ترسخ الاعتقاد بأن النفوذ الشخصي أقوى من هذه اللوائح، فلن تكون الخسارة مجرد نتيجة مباراة، بل ستكون فقدان الثقة في عدالة إدارة اللعبة ونزاهة المؤسسة التي ترعاها، وهي الثقة التي تمثل رأس المال الحقيقي لكرة القدم.

 

مساعد وزير الخارجية الأسبق

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved