الاتفاق الإطارى اللبنانى الإسرائيلى بين القبول والرفض

رخا أحمد حسن
رخا أحمد حسن

آخر تحديث: الثلاثاء 7 يوليه 2026 - 7:34 م بتوقيت القاهرة

توصلت لبنان وإسرائيل بوساطة أمريكية إلى اتفاق إطارى، وقع فى واشنطن بحضور وزير الخارجية الأمريكى ماركو روبيو يوم 26 يونيو 2026، بعد خمس جولات عسيرة من المفاوضات بين الوفدين اللبنانى والإسرائيلى. وقد أحيط الاتفاق عقب توقيعه بحملات مكثفة سياسية وإعلامية سواء من جانب الموقعين عليه ومؤيديهم، أو من جانب المعارضين له على الجانبين الإسرائيلى واللبنانى، الأمر الذى جعل ولادة الاتفاق متعثرة، وحالة من عدم اليقين حول مصيره وما قد يؤدى إليه.

 


• • •
ومن ثم، فإنه من الضرورى إلقاء نظرة على بنود الاتفاق، وعرض أهم ردود الأفعال تجاهه، وذلك على النحو التالى:
أولًا: نظرة على بنود الاتفاق:
• تتسم صياغة البند الأول من الاتفاق بالعمومية، ومجرد إبداء الرغبات من قبل كلا الطرفين، ومنها حقهما فى الوجود بسلام، والرغبة فى العيش بأمان دولتين متجاورتين، وعزمهما على إنهاء الصراع بشكل نهائى وإنهاء حالة الحرب بشكل رسمى، وعزمهما على إجراء تقدم لا رجعة فيه نحو حل شامل لجميع القضايا العالقة بينهما من خلال مفاوضات ثنائية مباشرة بوساطة ودعم أمريكى. وهكذا لا يخرج هذا البند عن إبداء الرغبات والتمنيات دون التزامات محددة.
• التزام الطرفان بعملية متبادلة وبشروط واضحة، بقيام الجيش اللبنانى باستعادة سيادته الفعلية على كامل الأراضى اللبنانية، ريثما يتم التحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية وتفكيك البنية التحتية المرتبطة بها، مما يمكن الجيش الإسرائيلى من إعادة الانتشار تدريجيًا خارج الأراضى اللبنانية، وسيتم تفصيل مكونات هذه العملية فى ملحق أمنى. أى أن كيفية إتمامها وتنفيذها يحتاج إلى مفاوضات أخرى بين الطرفين، كما يلاحظ عدم استخدام تعبير انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضى اللبنانية، وإنما إعادة انتشار، وهو ما يفتح الباب لخلافات وتباين فى تحديد معنى إعادة انتشار القوات الإسرائيلية وربطها بنزع سلاح الجماعات غير الحكومية.
• الاتفاق على مناطق تجريبية يقوم الجيش اللبنانى تدريجيًا بتولى المسئولية الأمنية الكاملة والفعالة فيها وتكون بمثابة آلية لإعادة انتشار الجيش الإسرائيلى ونشر الجيش اللبنانى. وتم الاتفاق على منطقتين فقط وسيتم الاتفاق على مناطق تجريبية مستقبلية بالتراضى، وبمجرد التأكد من نزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية وتفكيك بنيتها التحتية فى هذه المناطق. وستبدأ جهود إعادة الإعمار المدعومة دوليًا، وسيتمكن المدنيون اللبنانيون من العودة بأمان إلى هذه المناطق تحت السيطرة الحصرية للسلطات اللبنانية، وتعتزم الولايات المتحدة العمل عن كثب مع كلا البلدين للتحقق من هذه العملية ودعمها. ويلاحظ تكرارًا اشتراط نزع سلاح حزب الله، وإعطاء إسرائيل صلاحية تقييم مدى نجاح التجربة ومدى إمكانية تكرارها، ومدى إمكانية بدء عملية عودة السكان وإعادة الإعمار فى هذه المناطق المحدودة جدًا، وبرعاية أمريكية وليست دولية.
• تأكيد التزام الحكومة اللبنانية باستعادة سيادتها كاملة على الأراضى اللبنانية وإعادة احتكار الدولة لاستخدام القوة وتحقيق نزع السلاح الكامل من الجماعات المسلحة غير الحكومية، وضمان عدم وجود أى دور عسكرى أو أمنى أو قدرات عسكرية لهذه الجماعات فى أى مكان فى لبنان، وتطلب الحكومة اللبنانية دعم الشركاء الدوليين والعرب بقيادة أمريكية لتحقيق هذه الغاية. ويضع هذا البند الحكومة اللبنانية والجيش فى مواجهة مباشرة مع حزب الله وحركة أمل ويؤدى تنفيذه عمليًا إلى فتنة لبنانية كبرى تحرص كل الأطراف اللبنانية على تجنبها.
• تأكيد إسرائيل أن عملياتها العسكرية فى لبنان نتيجة مباشرة للحملات والتهديدات والنوايا العدائية للجماعات المسلحة غير الحكومية، لاسيما حزب الله، وأن ترتيبات نزع سلاحها وتفكيكها من جميع لبنان، وترتيبات أمنية إضافية يتم الاتفاق عليها بين الطرفين، ستقضى على أى حاجة مستقبلية للعمل أو الوجود العسكرى الإسرائيلى فى لبنان. وبناء على ما سبق تعلن إسرائيل أنها ليس لها أى مطامع إقليمية فى لبنان. وحقيقة الأمر أن إسرائيل لم توقف اعتداءاتها على لبنان سواء بسبب حزب الله أو بدونه. ولو أنها كفت عن سياستها العدوانية الاستعمارية ضد لبنان وسوريا وفلسطين، لعاشت مع جيرانها فى سلام وأمان. وهذا البند يمثل تدخلًا سافرًا فى شئون لبنان، وتكرارًا لاشتراط نزع سلاح حزب الله ومحاولة للتغطية على أطماع إسرائيل الحقيقية فى السيطرة على جنوب لبنان.
• تؤكد لبنان سلطاتها وسيادتها على أراضيها وأمنها وأنها صاحبة قرارات الحرب والسلام، ورفض ادعاءات أى دولة أو جهة من غير الدول باستخدام القوة نيابة عن لبنان، والادعاء من أى دولة أو جهة بممارسة دور عسكرى أو أمنى يعد أمرا غير قانونى ومخالفا للمصالح الوطنية اللبنانية. وهذا البند موجه تحديدًا لكل من حزب الله وإيران، ورفض قيامهما بمحاربة إسرائيل باسم الدولة اللبنانية أو نيابة عنها.
• أن هذا الإطار لا يمنع أى من لبنان وإسرائيل من حقهما فى الدفاع عن النفس، ولا يجوز لأى طرف ممارسة هذا الحق نيابة عنهما. والتزام لبنان وإسرائيل بإنشاء مجموعة تنسيق عسكرى بدعم ومشاركة أمريكية لضمان التنفيذ الشامل لهذا الإطار. ويعد هذا البند متفقًا مع مفهوم إسرائيل للدفاع عن النفس بالمبادرة بالهجوم على الآخرين وممارسة التدمير والقتل بادعاء مخاطر قائمة أو مجرد نوايا بمخاطر محتملة.
• مشاركة الجانبان فى هدف وجود لبنان آمن لا تشكل فيه أى جماعة مسلحة تهديدًا لإسرائيل أو لبنان، واستعادة الأمن لجنوب لبنان من خلال نشر الجيش اللبنانى والعودة الآمنة للسكان المدنيين، وضمان أمن سكان شمال إسرائيل، وهذه تعد أمورًا جوهرية لتحقيق السلام على المدى الطويل. هذا من وجهة نظر إسرائيل.
• تمكين الجيش اللبنانى من بسط سيطرته العسكرية، ونزع سلاح الجماعات المسلحة، مع ترحيب لبنان بالاستعداد الأمريكى لدعم هذه الجهود شرط جدية التنفيذ بما يسهم فى تعزيز الأمن والاستقرار فى الشرق الأوسط. تكرار لنزع سلاح حزب الله.
• الحشد الأمريكى، فى مسار منفصل، للشركاء الدوليين لدعم عملية إعادة الإعمار وإصلاح البنية التحتية، وانتعاش الاقتصاد، وإيجاد فرص ازدهار، وتقديم مساعدات إنسانية، وبرامج للتعافى الاقتصادى ومبادرات استثمارية. ويلاحظ عدم وجود أى إلزام أو مواعيد محددة لكل ذلك.
• التزام لبنانى أمريكى بمنع تدفق الأموال إلى أى كيان أو منظمة أو فرد تابع لجماعات مسلحة من غير الدول، وحظر أنشطة أى كيان أو منظمة من هذا القبيل. ومنع وصول أموال إعادة الإعمار إلى هذه الجماعات المسلحة. وهذا بند إسرائيلى بامتياز.
• يتم عقب توقيع هذا الإطار العمل على تشكيل مجموعات عمل لصياغة الاتفاقية الشاملة والكاملة للسلام والأمن، وإنشاء مسارات تكميلية للتواصل المباشر والمستمر بتيسير أمريكى، والتزام لبنان وإسرائيل بالمضى قدمًا بحسن نية حتى يتحقق سلام دائم. أى مفاوضات مفتوحة بلا تحديد جدول زمنى أو الأهداف منها.
• وقف جميع الأعمال العدائية أو المناوئة فى المحافل الدولية السياسية والقانونية. وهذا يعنى صراحة عدم مشاركة لبنان فى أى قرارات أو إجراءات أو الإدانات الإقليمية والدولية ضد الجرائم التى ترتكبها إسرائيل، وما أكثرها.
• • •
ثانيًا: ردود الأفعال:
• إسرائيل، حيث وصف نتنياهو الاتفاق بأنه «تاريخى لدولة إسرائيل»، وأنه ضربة لكل من إيران وحزب الله. واشترط وزير الدفاع الإسرائيلى نزع سلاح حزب الله من كل لبنان حتى يمكن أن تسحب إسرائيل قواتها، وأن الجيش الإسرائيلى تلقى أوامر بالاستعداد للبقاء فى لبنان طويلًا، وتهديده باستخدام القوة إذا عرقلت إيران تنفيذ الاتفاق. بينما ندد وزير الأمن القومى بن جفير بالاتفاق وقال إنه لا يمكن الوثوق بنزع الحكومة اللبنانية سلاح حزب الله. هذا ولم تتوقف الغارات الإسرائيلية على لبنان بعد توقيع الاتفاق.
• حزب الله هاجم الاتفاق واعتبره «منعدم الوجود» ووصفه بأنه «مذلة وعار وتنازل عن السيادة اللبنانية»، وضرورة الاستعاضة عنه بمذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية وما تضمنته بشأن لبنان. وأن أى محاولة لربط انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان بنزع سلاح حزب الله يعد «تجاوزًا للخطوط الحمراء»، وأن الاتفاق يقدم تنازلات مجانية لإسرائيل ويبقى على قوات الاحتلال الإسرائيلية فى جنوب لبنان.
• حركة أمل، حيث أعلن رئيسها ورئيس البرلمان نبيه برى رفضه القاطع للاتفاق، ووصفه بأنه «إملاءات» وأنه لا يحفظ حقوق لبنان، ولن ينفذ الاتفاق بصيغته الحالية، وحذر من الانزلاق نحو فتنة داخلية حيث إن الاتفاق أسوأ من الاتفاقات السابقة، ودعا اللبنانيين إلى التحلى بالحكمة وتجنب الفتنة. وقال إن لبنان فى حاجة إلى مظلة أمريكية سعودية إيرانية للمساعدة فى إنجاز تسوية للأزمة القائمة، وأن أزمة السلاح (يقصد سلاح حزب الله) يجب أن تسوى فى إطار الدولة اللبنانية.
الحقيقة أن الاتفاق الإطارى فى مجمله لصالح إسرائيل، ولا يتضمن جدولًا زمنيًا لتنفيذه، ولا ينص على وقف إطلاق النار، ولا على انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، ويوجد ازدواجية بينه ومذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية. كما أن الاتفاق مرفوض من مكون لبنانى رئيسى وهو حزب الله وحركة أمل وما لهما من ثقل. لذا فلن يحقق هذا الاتفاق إلا أقل القليل، ولن يؤدى إلى نزع سلاح حزب الله، ولا إلى انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، ولا إلى إعادة الإعمار وعودة السكان إلى الجنوب اللبنانى فى المستقبل المنظور. وما تزال مسيرة المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية طويلة وصعبة وبالغة التعقيد.

 


مساعد وزير الخارجية الأسبق

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved