رسائل الرئيس

سامح فوزي
سامح فوزي

آخر تحديث: الثلاثاء 7 يوليه 2026 - 6:45 م بتوقيت القاهرة

لم يكتف الرئيس عبدالفتاح السيسى بافتتاح الأوكتاجون، المعبر عن القوة العسكرية، والتخطيط الاستراتيجى، وإدارة الأزمات، لكنه وجه فى الوقت ذاته رسائل تتعلق بالقوة الناعمة التى تستند إليها المجتمعات الحديثة، وهى حرية الإعلام، وإفساح المجال العام أمام الرأى والرأى الآخر فى إطار من التفاهم والاحترام، وتنشيط الأحزاب السياسية، وتعظيم المشاركة العامة خاصة فى صفوف الشباب، والاستعداد للانتخابات المحلية، وتعزيز دور القطاع الخاص، ومواجهة الفساد وتعميق المساءلة ونشر الشفافية، وتطوير التعليم، وإعادة بناء المؤسسات، وجميعها رسائل مهمة، وأساسية لبناء مجتمع ديمقراطى حديث.

 


وأظن أن الرئيس السيسى رتب تلك الرسائل بحكمة بالغة، لم يبدأها بالاقتصاد لكن بدأها بالإعلام، وإفساح المجال أمام حرية الرأى والتعبير لأنها بمثابة الضمانة الأساسية لتحقيق الغايات الأخرى التى انطوى عليها الخطاب الرئاسى.
والأمثلة على ذلك كثيرة
أولا: إذا تعززت حرية الإعلام، وتعددت الآراء، ارتفع منسوب الشفافية والمساءلة، واستطاع المجتمع محاصرة الفساد، سواء فى دوائر الحكومة أو القطاع الخاص أو المؤسسات المجتمعية والعكس صحيح، إذا تراجعت حرية الإعلام، زاد الصمت، وساد الخوف، وغاب الرأى الآخر، وانخفض منسوب النقد، وهى بيئة مواتية للفساد بكل معانيه، ولا نغفل عن خطورة الفساد فى بث اليأس والإحباط فى نفوس الناس، فضلًا عن التهام جهود التنمية التى تقوم بها الدولة المصرية أكثر من أى وقت مضى. وقد استطاعت الدولة فى السنوات الماضية أن تخطو خطوات جادة فى رقمنة الخدمات العامة، وهو الذى قلص كثيرا من الفساد.
ثانيا: إذا تعززت حرية الإعلام تستطيع الأحزاب أن تدير حوارا ديمقراطيا، وتمارس دورها فى مساءلة أو دعم الحكومة حسب موقعها السياسى من ناحية، والوصول إلى قطاعات واسعة من المجتمع، وتعبئة جهود أنصارها من ناحية أخرى، ولا يمكن تصور إجراء انتخابات محلية تنافسية تضم عشرات الآلاف من المرشحين دون وجود إعلام تعددى، نقدى، يشمل الرأى والرأى الآخر فى اتزان وموضوعية واحترام.
ثالثًا: إذا تعززت حرية الإعلام تطور القطاع الخاص، واستطاع التعبير عن نفسه فى أجواء من النزاهة والتنافسية، والمساءلة، أما إذا حوصر الرأى المختلف، وضعف النقد، فإن المال الخاص يجد بيئة تفتقر إلى الشفافية، ويفتح الباب أمام العديد من الممارسات السلبية، فضلًا عن أن حرية الإعلام تسمح لمختلف الفئات الاجتماعية بالتعبير عن آرائها ومصالحها، مما يحافظ على التوازن الاجتماعى، ويحقق المساءلة الاجتماعية للقطاع الخاص.
رابعا: إذا تعززت حرية الإعلام سوف تظهر مبادرات جادة فى الإصلاح المؤسسى، وتطوير التعليم، وتحسين الخدمات العامة، وإنشاء قنوات دافئة بين المسئولين والناس على النحو الذى دعا إليه الخطاب الرئاسى.
إجمالًا يحمل مشهد الأوكتاجون معانى كثيرة، ورسائل متعددة، منها أن مصر قوية، وقادرة على الدفاع عن نفسها، ودرء المخاطر، دحرت الإرهاب، وتخوض معركة التنمية، وبالتالى لا خوف عليها من انفتاح إعلامى مسئول، وأكرر مسئول، يسمح بتعددية الآراء فى احترام ونزاهة، ولا خوف عليها من أحزاب نشطة تتحرك بقوة على أرض الواقع، مهما بلغت مساحة الاختلاف بينها، وكما شنت مصر حربًا على الإرهاب، قادرة أن تفعل الشىء ذاته فى مواجهة الفساد، والترهل المؤسسى.. وتكشف التجربة أنه لم تنجح جهود مكافحة الفساد فى أى مجتمع دون حرية الإعلام، كما لم ينجح أى مجتمع فى إرساء دعائم الديمقراطية العامة دون إعلام يشمل الرأى والرأى الآخر.
تلك هى معانى ورسائل التقطها من خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسى، وأظن أن الدور الآن على الأطراف المعنية بتلك الرسائل أن تمارس دورها فى حرية ومسئولية.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved