فى تَجَنُّب الأذى

بسمة عبد العزيز
بسمة عبد العزيز

آخر تحديث: الجمعة 7 أغسطس 2026 - 6:15 م بتوقيت القاهرة

شاهدت مصادفة حوارًا طريفًا بطله صبيٌّ؛ صَحِبَته أمُّه للقاء مدرب كرة اليد؛ آملة أن ينضمَّ إلى الفريق الأول بالنادى. رحَّب المدربُ بالولد وراح يحدثه عن المُتطلَّبات والشُّروط التى تتجاوز امتلاكه الموهبة والمهارة؛ ومنها أن يعتاد على الصَّحو مبكرًا، وأن يتبعَ نظامًا غذائيًا خاصًا مَنزوع المُغرِيات، يعدو يوميًا مسافة طويلة ويواظب على تمرينات اللياقة البدنية الشاقة فى صالة الإحماء. تراجع الولد قليلًا حين أدرك صعوبة الموقف وبدا مستاءً من فكرة خضوعه لمجموعة من الأوامر والنواهى، ميالًا للانسحاب وتجنُّب الأذى المُتوقَّع؛ وقبل أن ينطق نظرت له أمه مؤكدة على الكلام: "قلت لك؛ ما فيش حلاوة من غير نار.


* • •
كل ما يشُقُّ على المرء هو من قبيل النار، والغاية التى يطمح إليها هى التى تحرضه على المُضى فى طريقه واحتمال الصعاب؛ فإن لم يكن الإغراء قويًا وكافيًا؛ دار على أعقابه وتخلى عن المراد. الأذى نسبيٌّ، يختلف الناس فى تعيينه وتعريفه، وعلى سبيل المثال فإن إرغام شخص على الالتزام بمواعيد محددة قد يكون مؤذيا، وقد يمثل أمرًا طبيعيًا ومحبَّبًا لآخر.


* • •
كثيرًا ما نردد المثل الشعبيّ الذى يقول: "ابعد عن الشَّر وغَنى له". النصيحة الأولى أمر مفهوم وطبيعي؛ لكن الثانية التى تأمر بالغناء للشر؛ تبدو عجيبة بعض الشيء، وقد تنوَّعت التفسيرات بشأنها فثمَّة اعتقاد بأن النأى غير كافٍ، وأن المرء قد يضطر إلى شيء من المداهنة والنفاق كى يتَّقى الإيذاء. ثمَّة اعتقاد آخر بأن الغناء إنما يعكس راحة البال التى ينعم الواحد بها؛ ما إن يتخذ مسافة من عدوه، وأخيرًا هناك تفسير يعتمد على كون الكلمة هى "قنى له" أى اصنع بينك وبينه قناة تفصله عنك. سواء كان هذا التفسير صحيحًا أو ذاك فالسؤال المهم الذى يبقى مطروحًا دون إجابة قاطعة؛ هو ما إذا كان الشرُّ سيقنع بالبقاء بعيدًا، أم سيقترب من تلقاء نفسه ويهدد فريسته، ويسعى لمطاردتها إن حاولت الفرار.


* • •
سمعت من أصدقاء ومَعارف كِبار، قولةً تعدَّدت مناسبتُها وتباينت ظروفُها؛ لكنها صمدت على الألسنة، وبقيت حاضرة إلى يومنا هذا فى الأذهان: "اصبر على جار السَّوّْ يرحل أو تيجى مصيبة تاخده". تحمل هذه القولة قاعدةً ذهبيةً خالدة، طبَّقها المصريون على مرّ القرون؛ وهى تفضيل الانحناء والصَّمت أمام النواكب، ومن ثمّ تجنُّب مواجهتها واتقاء أذاها، وتركها للزمن كى يتعاملَ معها؛ فيخفف من وطأتها أو يذهب بها ويمحوها من الوجود.


الصَّبر سِمة مجتمعنا، والمأثورات التى تنتصر له؛ تتفوَّق ولا شك على كافة الحِكم والأمثلة تنقضه والتى تدعو إلى نفضِ السُّكون والانتفاض من السُبات. لا بأس بالتروى عند اتخاذ القرارات الحاسمة، ولا بأس بالتفكير مليًا قبل الإقدام على أيّ فعل؛ لكن التعامل بشيء من الحكمة والاتزان لا يعنى التجمُّد فى وضع سلبيّ والتأقلم على ما يسوء، ولا يجب أن يُمهدَ للتفريط فى حقٍ من الحقوق.


* • •
العادة أن تكون الطريق إلى المَغانِم الكبرى وَعرة، مَحفوفةً بالمخاطر، يختبر سالكُها الشيءَ اليَسير من المعاناة والقسوة، ويملك ما يكفى من الجرأة والإصرار لمغالبتها؛ فمتى كان طبعه المُسالمة والرغبة فى البقاء آمنًا، مُحصَّنًا مما تحمل الحياةُ من اهتزازات وتقلبات، ومتى استطاب مقام الدِعة وزهد فى المجهول، واختار الاطمئنان وقدَّمه على أحوال القلق والترقُّب واحتمالات التأذي؛ صَدَقت فى وَصفِه الأمثولة: "يا نحلة لا تقرصينى ولا عايز عسلك". الحصول على الشهد مصحوب فى العادة بلدغات مؤلمة؛ مهمًا اتخذ الواحد من احتياطات للوقاية ومهما جعل الحذر رفيقه، وحلاوة المذاق لها ولا جدال ثمن؛ لا ينالها إلا القادر على دفعه.


* • •
فى توبيخ البكَّاءِ وتحميله مسئولية ما يسوؤه، يقال: "من جاور الحدَّاد ينكوى بناره"، والمعنى أن الشكوى غير مقبولة طالما كان المرءُ سببًا مباشرًا فى تسويم ذاته الأذى، وطالما اختار بإرادته موقفًا له تبعات معروفة ومتوقعة، والحقيقة أن المعرفة المُستبصِرة تنزع عن الشاكى حقَّ الشكوى وتحرمه أداء دور الضحية؛ بل وتجعله موضع اتهام وشراكة فيما آل إليه مصيره.


* • •
نحسم تردُّدَنا بعض المرات بالالتجاء إلى الحِكمة الأثيرة: "درءُ الضَّرر مُقدَّمٌ على جَلْبِ المَنفَعة". الضَّرر هو كل ما يؤذى الإنسان، والحماية من الأذى تأتى أولًا وقبل التفكير فى أيّ مكسب. الاستدانة التى تفوق المقدرة على السَّداد وتُثقِل الكواهل، وتضيفُ إلى الأعباء الأصلية أخرى جديدة؛ ضررٌ لا جدال فيه وأذى يصعب تداركه، وعادة ما يؤدى إلى انهيار مشهود، والمثل يقول: "السَّلف تلف والردُّ خسارة"، أما عن المنفعة المرتقبة فليست إلا انفراجة قصيرة عابرة؛ هدفها إطالة الوقت الذى يسبق الانفجار، والحقُّ أن الدائنَ دومًا مستفيد، قادر على فرض شروطه المُجحِفة، والمَدين مُضطرٌ مَجبور؛ مهمًا ادعى امتلاكَ أمرِه وأسهَب فى وَصف مآثره.


* • •
فى محاولة لعَقد صَفقة عادلة يُقال: "لا تؤذينى ولا أؤذيك". المُحصّلة النهائية المنشودة تُرضى الأطرافَ جميعها؛ مَوقِف يُعرَف فى الثقافة الغربية بأنه فوزٌ مُتبادَل لا يوجد خاسر ولا يوجد مظلوم؛ لكن الأمور لا تسير دائمًا على هذا المِنوال، فالحياة غالبٌ ومَغلوب، ومحاولات اتقاء الأذى وتلافيه؛ لا تصلح بالبقاء على الهامش ولا تتأتى بإغماض الأعيُن عما يدور.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved