خطر السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز

عمرو حمزاوي
عمرو حمزاوي

آخر تحديث: الجمعة 7 أغسطس 2026 - 6:00 م بتوقيت القاهرة

لا يتعلق الجدل الدائر حول مضيق هرمز بمسألة جغرافية أو اقتصادية فحسب، وإنما يتصل فى جوهره بمستقبل النظام الأمنى فى الشرق الأوسط وبالقواعد التى سوف تحكم العلاقات بين دوله خلال السنوات المقبلة. فقبول الدول الوازنة فى المنطقة، العربية وغير العربية، بأن تصبح لإيران سلطة فعلية أو حق حصرى فى التحكم بمضيق هرمز لا يعنى فقط التسليم بنفوذ دولة بعينها على واحد من أهم الممرات المائية الدولية، بل يعنى كذلك إرساء سابقة خطيرة يمكن أن تمتد آثارها إلى بقية المضائق والممرات البحرية فى الشرق الأوسط، من باب المندب إلى قناة السويس وشرق المتوسط والبحر الأحمر. ومن هنا فإن القضية تتجاوز التنافس التقليدى بين إيران وجيرانها، لتصبح مسألة تتعلق بمبادئ القانون الدولى وبمفهوم الأمن الجماعى وبحرية الملاحة التى تشكل إحدى ركائز الاقتصاد العالمى المعاصر.


• • •
يمثل مضيق هرمز شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمى، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز القادمة من دول الخليج إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية. ولهذا السبب، لم يُنظر إلى المضيق تاريخيًا باعتباره مجالًا خاضعًا لسيادة دولة واحدة، رغم وقوعه جغرافيًا بين إيران وسلطنة عُمان، وإنما باعتباره ممرًا دوليًا ينبغى أن تبقى الملاحة فيه مفتوحة وآمنة وفق قواعد القانون الدولى. ولم يكن هذا الفهم مجرد ترتيبات قانونية مجردة، بل كان تعبيرًا عن إدراك دولى بأن تحويل الممرات المائية إلى أدوات ضغط سياسى أو عسكرى من شأنه أن يهدد الاستقرار الإقليمى والعالمى معًا.


غير أن إيران سعت خلال العقود الماضية إلى توظيف موقعها الجغرافى لإرسال رسائل سياسية وأمنية إلى خصومها الإقليميين والدوليين. فكلما تصاعد التوتر بينها وبين الولايات المتحدة أو بعض دول الخليج، عادت التهديدات بإغلاق مضيق هرمز أو تعطيل الملاحة فيه. وقد استخدمت طهران فى ذلك أدوات متعددة، من المناورات العسكرية إلى احتجاز السفن أو توظيف القوى الحليفة فى المنطقة لزيادة الضغوط على طرق التجارة والطاقة. وفى حين لم يتحول هذا السلوك حتى الآن إلى سيطرة كاملة أو احتكار فعلى للمضيق، فإن مجرد القبول الإقليمى أو الدولى بفكرة أن لإيران حقًا خاصًا فى تقرير حركة الملاحة أو تقييدها يمثل تطورًا بالغ الخطورة.


تكمن الخطورة الأولى فى أن ذلك يخل بمبدأ المساواة بين الدول ويمنح دولة واحدة امتيازًا استثنائيًا على حساب الآخرين. فالممرات المائية الدولية ليست ملكية وطنية خالصة، حتى وإن كانت تقع ضمن النطاق الجغرافى لدولة أو أكثر، بل هى مرافق عامة للتجارة العالمية، تخضع لقواعد مشتركة وتلتزم الدول المطلة عليها بضمان حرية استخدامها. وإذا قبلت الدول الوازنة فى الشرق الأوسط بأن تكون لإيران سلطة خاصة على مضيق هرمز، فإن هذا يعنى عمليًا الانتقال من مفهوم الإدارة المشتركة والأمن الجماعى إلى مفهوم الهيمنة والانفراد.


أما الخطورة الثانية، فهى أن إقرار هذه السابقة سوف يفتح الباب أمام منطق مشابه فى بقية الممرات المائية. فكيف يمكن رفض مطالبة أطراف أخرى بحقوق حصرية فى باب المندب أو شرق المتوسط أو البحر الأحمر إذا جرى التسليم لإيران بمكانة استثنائية فى هرمز؟ وكيف يمكن حماية مبدأ حرية الملاحة إذا أصبحت السيطرة على المضائق أداة من أدوات النفوذ السياسى والعسكرى؟ إن المنطقة التى تعتمد اقتصاداتها على التجارة الدولية وعلى صادرات الطاقة لا تستطيع تحمل نشوء نظام إقليمى يقوم على الاحتكار والهيمنة البحرية.


• • •
يزداد الأمر تعقيدًا بالنظر إلى أن الشرق الأوسط يشهد بالفعل تنافسًا حادًا بين قوى إقليمية متعددة، بعضها يمتلك قدرات عسكرية متقدمة، وبعضها الآخر يسعى إلى توسيع نفوذه عبر أدوات مباشرة وغير مباشرة. وفى مثل هذه البيئة، فإن التسليم بسيطرة دولة واحدة على ممر مائى استراتيجى قد يدفع دولًا أخرى إلى السعى لفرض ترتيبات مماثلة فى مناطق نفوذها، وهو ما ينذر بتحول الممرات البحرية إلى ساحات صراع دائم بدلًا من أن تكون جسورًا للتعاون والتبادل الاقتصادى.


كما أن قبول الهيمنة المنفردة على المضائق يحمل مخاطر اقتصادية جسيمة. فأسواق الطاقة والتجارة الدولية تعتمد على الاستقرار وعلى وضوح القواعد المنظمة للملاحة. وكلما ارتبطت حركة السفن بقرارات سياسية أو بتقديرات أمنية لدولة واحدة، ارتفعت تكلفة التأمين والنقل وزادت احتمالات الاضطراب فى الأسواق. وقد أثبتت الأزمات المتكررة فى الخليج والبحر الأحمر أن مجرد التهديد بتعطيل الملاحة يكفى لإحداث آثار اقتصادية واسعة النطاق، فكيف إذا تحول هذا التهديد إلى قاعدة سياسية دائمة؟


من هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى أن تدرك الدول الوازنة فى الشرق الأوسط، وفى مقدمتها مصر والسعودية وتركيا ودول الخليج الكبرى، أن الحفاظ على حرية الملاحة فى مضيق هرمز ليس مسألة تخص دول الخليج وحدها، بل قضية ترتبط بمستقبل الأمن الإقليمى بأسره. فمصر، على سبيل المثال، التى ترتبط مصالحها الاستراتيجية بأمن قناة السويس والبحر الأحمر، لديها مصلحة مباشرة فى ترسيخ مبدأ دولية الممرات المائية ورفض أى نزعات احتكارية أو هيمنية. وكذلك الأمر بالنسبة للدول العربية المطلة على البحر الأحمر وباب المندب، التى تدرك أن استقرار التجارة الدولية لا يتحقق إلا عبر ترتيبات جماعية ومتفق عليها.


ولا يعنى ذلك الدعوة إلى المواجهة مع إيران أو تجاهل مصالحها الأمنية المشروعة، فإيران دولة كبيرة ومهمة فى الإقليم، ولها مصالح ينبغى أخذها فى الاعتبار ضمن ترتيبات أمنية عادلة ومتوازنة. غير أن الاعتراف بالمصالح المشروعة يختلف جذريًا عن القبول بالهيمنة أو بالحق الحصرى فى التحكم بممرات دولية. والحل لا يكمن فى فرض الإرادات أو فى الاستقواء الجغرافى، وإنما فى بناء آليات للأمن الجماعى تقوم على الحوار والالتزام بالقانون الدولى والتفاهمات الإقليمية.


• • •
لقد أثبتت التجارب الدولية أن الممرات المائية الكبرى لا يمكن أن تستقر إلا عندما تصبح مسئولية جماعية وليست أداة نفوذ لدولة واحدة. وهذا هو الدرس الذى ينبغى أن يستوعبه الشرق الأوسط اليوم. فالقبول بسيطرة إيران على مضيق هرمز لن يؤدى إلى استقرار دائم، بل قد يفتح الباب أمام سباقات نفوذ جديدة ويشجع قوى أخرى على تبنى منطق مماثل فى بقية الممرات الحيوية. أما البديل الأكثر أمنًا واستدامة، فيتمثل فى التمسك بمبدأ حرية الملاحة، وتطوير ترتيبات أمن جماعى إقليمية، وإبعاد الممرات المائية عن منطق الصراع والهيمنة، حتى تبقى جسورًا للتواصل والتجارة لا ساحات للمواجهة والتنافس المفتوح.

 

أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط فى مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved