الصديق اللعين وسيف الحياء
أسامة غريب
آخر تحديث:
الجمعة 7 أغسطس 2026 - 6:15 م
بتوقيت القاهرة
منذ سنوات بعيدة كنت أمر بضائقة مالية نتيجة ظروف خاصة، لهذا فقد قررت أن أبيع سيارتى رغم الاحتياج إليها، وأعلنت عن مسألة البيع هذه بين زملائى فى العمل.
ومن المفارقات أنه فى ذروة تلك الأيام الصعبة كنت قد دخلت فى الاختبارات المؤهلة للسفر بالخارج للعمل كمدير لمصر للطيران، ثم ظهرت النتيجة وكنت من الذين نجحوا، فتم اختيارى للعمل مديرا بالكويت. حمدت الله كثيرًا لأن هذه النقلة توفر دخلًا طيبًا أستطيع من خلاله تجاوز الأزمة المالية وسداد الديون، وبالتالى فقد تراجعت عن فكرة بيع السيارة.
فى ذلك الوقت كان هناك صديق يتلمظ لاقتناص سيارتى بسعر لقطة بسبب تصوره أن صاحب السيارة (صديقه) ما زال فى أزمة، ومن الواجب الوقوف إلى جانبه وسلبه سيارته بثمن بخس! فوجئت به يحضر لزيارتى ويقدم أخلاقه العالية سببًا لعرض شراء السيارة رغم عدم احتياجه إليها، لكن الناس لبعضها على حد قوله! قلت له إن السيارة لم تعد للبيع وأننى والحمد لله لم أعد فى ضائقة تستدعى بيعها.
تجاوز الصديق صدمته بسرعة ودخل إلىّ من مدخل آخر. قال: الحمد لله، والله فرحت لك أن ربنا فتحها عليك ولم تعد بحاجة لبيع السيارة. قلت له: شكرا، فقال: ولكن بالرغم من هذا فإن بيعها لى أصبح الآن أكثر وجوبا! سألته فى دهشة: ليه إن شاء الله؟. قال: يا أخى كما أكرمك الله بسفرية إلى الخارج ستعود منها ومعك سيارة جديدة على الزيرو، يجب عليك أن تكرم أخاك وتبيعه سيارتك القديمة التى لم تعد تناسبك!. قلت له: بل إنها تناسبنى تماما ويكفى أنّ لى معها ذكريات، فضلا عن أننى سأكون فى حاجة إليها عند نزولى فى الإجازات.
لم ييأس الرجل وقال: أمن أجل أسبوعين إجازة فى السنة تمنع الخير عن صاحبك؟. لذت بالصمت فاستمر فى إلحاحه: ثم إننى على استعداد أن أمنحك إياها عند زيارتك لمصر.. ما رأيك؟.. بدأت أشعر بالحرج من ضغطه وسيف الحياء الذى يشهره فى وجهى، وهو من جانبه لم يفوّت الفرصة فعاد إلى أسطوانة أن الله قد أفاء عليك من رزقه وغدا تعود ومعك ثروة من المال تشترى بها شقة تمليك وسيارتين بدلا من سيارة واحدة.
أقول لكم الحق.. لقد تشاءمت من تكراره الحديث عن الثروة الموعودة والشقق والسيارات التى سأقتنيها، وفكرت أن أوافق على البيع فقط من أجل أن أخرسه وأكسر سمّه.
قلت له: يبدو أنك ستنجح بثعبانيتك وفحيحك فى حملى على البيع. قال مبتهجًا: كنت أعلم أنك لن تخذلنى، ثم سألنى وعيناه تلمعان فى مكر: كم تريد فى السيارة يا صديقى؟ قلت: لا أريد سوى ما دفعته فيها، وأنت تعلم أن الأسعار قد زادت.
قال: أنا أعلم، ولكنى طامع فى كرمك خصوصًا وأن الله قد بعث لك رزقًا وفيرًا وأنك ستعود من الخارج ومعك...
خلاص خلاص.. قاطعته مفزوعا من كلامه الذى صار يخيفنى، وأحسست نحوه وقتها بضيق لا حدود له فقلت: ادفع يا سيدى ما شئت وخلصنى من هذه السيرة المهببة!. ابتهجت أساريره وهو يقول: سأدفع لك مبلغ كذا، وأمانة يا شيخ لا تخيب رجائى. كان الذى يعرضه هو نصف ثمنها الذى دفعته فيها قبل عامٍ واحد، ومع ذلك فقد وجدتنى أقول وأنا أكاد أنفجر من الحنق: موافق موافق.. فقط اسكت وضع لسانك فى فمك!
فى صباح اليوم التالى التقينا وذهبنا إلى الشهر العقارى حيث قمت بنقل الملكية إليه، ثم عرجنا على البنك الخاص به. انتظرته فى السيارة فعاد وقدّم لى كيسا أسود قائلا: ثمن السيارة بالتمام والكمال.
تناولت منه الفلوس شاكرا وهممت بأن أنزل وأترك له السيارة، إلا أنه استوقفنى قائلا: أنا محرج منك ولا أدرى كيف أقولها. رددت فى استسلام يائس: قل ما شئت، لم يعد هناك ما يدهشنى. قال: لا أنا بجد محرج منك. قلت فى غضب: ماذا تريد؟.
قال: لعلك لا تعرف أن الفلوس التى بين يديك هى كل ما أملك من حطام الدنيا، وأنت قد تركتنى على الحديدة.
قلت له غير مصدق: ماذا تقول؟ قال: لو منحتنى 2000 جنيه سلف فلن أنسى لك هذا الجميل، ثم أردف: ثمن السيارة بالكامل فى حوزتك وهذا الأمر لا علاقة له بعملية البيع والشراء، إنما أطلب منك هذا من باب العشم، ولا أحسبك تترك صديقًا فى محنة وأنت القادر على إغاثته، ولا تنس أن رزقًا وفيرًا ينتظرك إلخ. الحق أننى لم أدر ماذا أفعل.. ألقيت كيس الفلوس فى حجره قائلًا: الفلوس معك.. خذ منها ما تشاء واتركنى لحال سبيلى. تناول الكيس فى لهفة وأخرج منه 2000 جنيه دسها فى جيبه وأعاده لى وهو يؤكد على أنه سيرد المبلغ فى أقرب فرصة. قلت له: مبروك عليك السيارة ثم فتحت الباب وقفزت إلى الرصيف حتى أهرب بعيدا عنه بعد أن صار وجوده يسحب الأكسجين من المكان، ففوجئت به ينزل ورائى فى إصرار.
قلت له وأنا أختنق: هل تريد بقية الفلوس؟.. خذها. قال فى عتاب: هل أصبحت صورتى فى نظرك سيئة إلى هذا الحد؟ أنا أدعوك على الغداء عندى فى البيت لأنى أريد أن أشبع منك قبل أن تسافر، فبالله عليك لا تردنى. قلت: شكرا على الدعوة الكريمة، لكنى مشغول وعندى أشياء يجب إنجازها قبل السفر، ففوجئت به يقسم بالطلاق أن أذهب معه!. تسمرت فى مكانى غير مستوعب لكل هذه اللزوجة ثم قلت فى إصرار: طلقها كما تشاء يا حبيبى، أما أنا فليس عندى وقت لمزيد من مفاجآتك. قال: بالعربى يا صاحبى أنا لا أعرف قيادة السيارة وأريدك أن توصلنى بها إلى البيت!
كان علىّ أن أقود به إلى صحراء مدينة 6 اكتوبر حيث يسكن، وأن أعود وحدى بدون سيارة، كما أننى استمعت طوال الطريق وهو بجانبى إلى معزوفته عن السيارة الجديدة التى سأشتريها والشقة التمليك التى سأقتنيها والنعيم الذى سأغرق فيه.. إلخ إلخ إلخ!