تركيا والتحول الوشيك نحو الشرق

العالم يفكر
العالم يفكر

آخر تحديث: الأربعاء 7 سبتمبر 2016 - 9:30 م بتوقيت القاهرة

نشر صدى كارنيغى التابع لمؤسسة كارنيغى للسلام الدولى تحليلا لـ«قدير يلدريم» الباحث بمعهد بايكر للسياسة العامة بجامعة رايس الأمريكية حول محاولة انقلاب الجيش التركى الفاشلة على السلطة التى حدثت يوليو الماضى، وأثر ذلك على تركيا داخليا وخارجيا.
يشير «يلدريم» بداية أنه فى أعقاب المحاولة الانقلابية بتركيا فى 15 يوليو الماضى، يبدو أن السياسة الخارجية التركية ترغب فى أن توجه أنظارها نحو الشرق. ويعكس هذا التحول، خيارا متعمدا اتخذته تركيا، ويعود إلى ما قبل مرحلة 15 يوليو. ويأتى الدافع وراء هذا التغيير هو الرغبة فى تعزيز مكانة الحكومة داخليا واعتماد سياسة خارجية أكثر استقلالية وقوة.
من جهة أخرى، يفترض المحللون أن الحكومة التركية تتبع نمط البقاء عبر الاكتفاء بالاستجابة للتطورات المحلية والدولية. فى حال خرجت تركيا من المدار الغربى، سوف يُلقى اللوم مباشرة على الغرب لإخفاقه فى التجاوب مع المطالب التركية، كما جاء على لسان وزير الخارجية التركى «مولود تشاويش أوغلو». بحسب هذا الرأى، تحتاج تركيا إلى معاملة استثنائية فى هذه المرحلة من التهديد الوجودى، وينبغى على العرب أن يتفهم تركيا، فى إشارة ضمنية إلى فشل الغرب فى تفهم الأوضاع المصرية فى العام 2013. بيد أن هذه التحاليل تغفل عن الطبيعة الحميمة والتفاعلية والمتشابكة للسياسات الخارجية والمحلية. فمثلما أن السياسة الخارجية قادرة على رسم اتجاه السياسة المحلية، بإمكان اعتبارات السياسة المحلية أن تطبع السياسة الخارجية فى شكل حاسم.
 ***

ليس الانفصال التركى المتوقَع قريبا عن الكتلة الغربية الأول من نوعه فى الشرق الأوسط، بل يتشارك نقاط تشابه مهمة مع انفصال مصر عن الغرب فى عهد جمال عبدالناصر أو انفصال إيران عن الغرب فى ظل روح الله الخمينى، لناحية العناصر الشعبوية فى نزعة العداء للولايات المتحدة وللغرب. يؤجج القادة الشعبيون هذه المشاعر لدى السكان الذين يبحثون بتلهف عن جهة يلقون اللوم عليها. لكن على الرغم من هذه الخصائص المشتركة، لا تملى المعطيات الجيوسياسية التحول فى السياسة الخارجية التركية. فتركيا لا تزال تتمتع بقيمة كبيرة نظرا إلى أهميتها الاستراتيجية بالنسبة إلى الغرب، وهذا ما أكدت عليه من جديد الزيارات التى قام بها مسئولون أمريكيون وأوروبيون. كما أن الاقتناعات الأيديولوجية للحكومة الحالية و«التسمم الغربى» المتصوَر لا يفسران مثل هذا التحول الدراماتيكى. فالأيديولوجية الإسلامية لحزب العدالة والتنمية لم تحل دون اتباعه سياسة خارجية غربية الطابع بطريقة واضحة طوال العقد الأول من القرن الحادى والعشرين.
يشير «يلدريم» إلى أن المناورات التى تلجأ إليها تركيا فى السياسة الخارجية ردا على المحاولة الانقلابية متعمدة ومدروسة وتأتى نتيجة خيار اتخذه المعنيون وليست رد فعل أو قرارا عاطفيا، بحسب الاعتقاد الشائع. ويخدم التعديل المرتقب فى توجُه السياسة التركية أهدافا محلية ودولية على السواء. فعلى المستوى المحلى، يسعى إلى تعزيز قاعدة الدعم للحكومة، لاسيما على ضوء زيادة الانتقادات لاضمحلال الحريات فى البلاد.
***
لقد ولدت المحاولة الانقلابية فى 15 يوليو أجواء كاد الناس ينسون فيها مزاعم الفساد التى انتشرت على نطاق واسع اعتبارا من العام 2013 ضد شخصيات قيادية فى حزب العدالة والتنمية، منهم الرئيس رجب طيب أردوغان. لكن تدقيقا دوليا جديدا انطلق فى اتهامات الفساد على خلفية تطورَين اثنين. فقد جرى اعتقال مواطن إيرانى تركى يدعى رضا زراب، فى ميامى بتهمة التهرب من العقوبات الإيرانية. وتشير وثائق صادرة سابقا عن المحكمة بأنه كانت تجمعه روابط عدة بمسئولين أتراك كبار. وفى إيطاليا، يخضع بلال، نجل الرئيس أردوغان، للتحقيق بتهمة تبييض مبلغ قدره نحو مليار يورو. يمكن أن تتسبب القضيتان بخسارة الحكومة التركية المكاسب التى حققتها فى تثبيت شرعيتها فى الداخل منذ العام 2013.
يؤكد «يلدريم» أنه خلال الأعوام الأخيرة، أتقنت الحكومة التركية فن توجيه المشاعر العامة انطلاقا من اعتبارات قومية وإثنية ودينية، فحشدت الدعم من أكثريات كبيرة. وليس صدفة أن الولايات المتحدة أصبحت محط الشكوك العامة فى أعقاب محاولة الانقلاب فى 15 يوليو «إما بصورة مباشرة عبر اتهامها بتنظيم الانقلاب، أو بصورة غير مباشرة عبر اتهامها بتحريض فتح الله جولن». ويعتبر عدد كبير من الأتراك أن الولايات المتحدة تريد إلحاق الضرر بأردوغان لأنه قائد قوى حول تركيا إلى قوة إقليمية. كما أن مشاحنات المسئولين الأتراك مع رئيسى الوزراء الإيطالى والنمساوى ضربت وترا حساسا. والرسائل القوية التى يوجهها مسئولون أتراك لإعادة العمل بعقوبة الإعدام تعرض مساعى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبى للخطر.
جدير بالذكر أن تأجيج العداء للولايات المتحدة يهدف إلى تجريد أى قرار قد يصدر فى المستقبل عن محاكم أمريكية أو إيطالية من المصداقية ووضعه فى خانة التدخلات الأجنبية. ولا يبالى من يعملون على تأجيج هذه العداوة بأنه ليست لدى الولايات المتحدة، فى الواقع، مصلحة استراتيجية فى تقويض النفوذ التركى بواسطة انقلاب أو غير ذلك.
***
واقع الحال هو أن المسار الجديد فى السياسة الخارجية الذى تطمح إليه الحكومة التركية استغل محاولة الانقلاب لمصلحته. فعبر الإشارة بأصابع الاتهام إلى الغرب ووصفه بأنه ساعد على تنفيذ الانقلاب، جرى اختلاق تبرير لفتح صفحة جديدة فى السياسة الخارجية من أجل ضمان الاستقرار فى الداخل. وكذلك عبر تصوير الانقلاب الفاشل بأنه مدعوم من الغرب ويشكل بالتالى تهديدا للأمن القومى، جرى فرض مجموعة كاملة من السياسات التقييدية فضلا عن اللجوء إلى التعذيب وقمع المعارضين – وحظى ذلك كله بدعم شعبى واسع. بناء عليه، لا يمكن فهم أبعاد التطور السريع فى السياسة التركية من دون الإقرار بالرابط بين السياسات المحلية والخارجية.
يختتم الكاتب بأن التطورات الراهنة فى تركيا تُنذر بأن السياسة الخارجية الأمريكية ستجد صعوبة أكبر فى التعامل مع شئون الشرق الأوسط. ليس واضحا إذا كانت الزيارات الرفيعة المستوى التى يقوم بها مسئولون على غرار وزير الخارجية الأمريكى «جون كيرى» ستساهم فى تهدئة الأجواء التى قد تنكشف إلى العلن فى الفترة المقبلة. على الرغم من بعض الأصوات الانتقادية داخل الاتحاد الأوروبى، والتى تدعو إلى«نوع جديد من العلاقة»، والطبيعة غير الموثوقة أكثر فأكثر للتعاون التركى مع الغرب، يجب أن يشكل الحفاظ على الشراكة بين تركيا من جهة والولايات المتحدة والغرب من جهة ثانية أولوية. هذا الأمر ضرورى لأسباب استراتيجية بالنسبة إلى الفريقَين، ومن أجل تحسين أوضاع حقوق الإنسان والديمقراطية فى تركيا.

اقتباس
إن المناورات التى تلجأ إليها تركيا فى السياسة الخارجية ردا على المحاولة الانقلابية متعمدة ومدروسة وتأتى نتيجة خيار اتخذه المعنيون وليست رد فعل أو قرارا عاطفيا، بحسب الاعتقاد الشائع.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved