دعوة لطرد عشاق الدم من القرن الحادى والعشرين
العالم يفكر
آخر تحديث:
الإثنين 7 سبتمبر 2026 - 9:00 م
بتوقيت القاهرة
حتى إن القلق ذهب بالفيلسوف اليهودى الفرنسى برنارد هنرى ليفى إلى حد التوجس من «ليلة الكريستال فى نيويورك»، تمثلًا بما حل بيهود برلين ليل 9 و10 نوفمبر 1938. ثمة زلزال سيكولوجى وسياسى يهز المدينة التى تستضيف أكبر وأقوى جالية يهودية فى العالم. الأجيال الجديدة، وبحسب ليفى، بدأت ترى فى اللاسامية أكثر جاذبية من رقصة «الروك أند رول». لم يتوقف كلامه هنا، بل رأى أننا أمام حقبة سوداء تستدعى إعلان التعبئة العامة فى صفوف اليهود على ضفتى الأطلسى كى لا يفاجئنا الهولوكوست (المحرقة) الآخر عند هذا المُفترق الوجودى.
التأويل العدمى للتوراة
هل يُمكن لـلولايات المتحدة أن تأخذ بـ «اللاهوت الاستراتيجى» الذى تعتمده إسرائيل؟ الإجابة عند الدبلوماسى المخضرم ريتشارد هاس الذى يرى أن الإمبراطورية وإن كانت الحليفة الكبرى لإسرائيل، وهى اللاعب الوحيد فى الحلبة (دون التغاضى عن الأشباح التى تُقيم فى شقوق الجدران)، لا يُمكنها ككيان استمد عبقريته من التفاعل بين الثقافات وبين الأعراق وبين الأديان الانزلاق إلى جاذبية الغيب التى، إذ تظهر فى بعض الأحيان، فهى تعنى التزلج على الوحول أو على النيران. لطالما تحدث ناعوم تشومسكى عن التماهى بين «الحراثة فى الغيب والحراثة فى العدم».
هذا ما تطرق إليه المفكر الأمريكى ديفيد وايز الذى يُحذر القادة الأمريكيين من المُحاكاة مع القادة الإسرائيليين الذين يأخذون بالتأويل اللاهوتى، والتأويل العدمى للتوراة، وحيث لا مشكلة فى اللجوء إلى الأزرار النووية، باعتبار أن ذلك يؤشر إلى ظهور الماشيح الذى يحكم العالم لألف عام. يسأل ماذا يُمكن أن يحدث إذا ما وُجد رجلٌ فى البيت الأبيض يرى فى القنبلة «هدية من الله» من أجل إعادة تشكيل العالم؟
إعادة تشكيل العالم أم إعادة تشكيل العالم الآخر؟.. سؤالٌ للكاهن الأمريكى ديك ويلز الذى يقول «يومًا ما سنصبح كلنا فلسطينيين إذا لم نوقف هذا التمدد الأخطبوطى الإسرائيلى، ليس داخل «الإستبلشمنت فقط»، وإنما أيضا داخل المؤسسة الدينية»؛ إذ وصف السناتور الراحل لندسى غراهام بـ «الثعبان الذى يلتف حول قبة الكابيتول»، لاحظ تحولًا فى البنية الجيولوجية للاوعى العام فى أمريكا الذى ترعرع على عصا البيوريتناز (الطهرانيون) الإنجليز الذين هاجروا إلى العالم الجديد فى النصف الثانى من القرن السابع عشر، ليتمثلوا فى ذلك خروج بنى إسرائيل من مصر. شعارهم كان بناء مجتمع مسيحى أنموذجى يُحتذى به عاليا City Upon The Hill.. ويلز سأل «كيف لهم تحقيق هذا الشعار إذا كانوا قد أحلوا نجمة داود محل الصليب؟».
إلى يهود نيويورك
هنا عودة الى برنارد هنرى ليفى الذى يُحذر يهود نيويورك من الذوبان داخل الإعصار الأمريكى، والذى تُنبئ حركته بالاتجاه إلى إحداث تغيير فى المسار التاريخى والأيديولوجى للمدينة. وهو ما تجسد فى اختيار زهران ممدانى عمدة لها، وفى الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطى. هذا بعدما كان الرئيس الديمقراطى ودرو ويلسون وراء وعد بلفور ما أوضحه ناحوم غولدمان، وهو أحد آباء الدولة، فى أوراقه، وبعدما كان الرئيس الديمقراطى الآخر هارى ترومان قد اعترف بإسرائيل بعد دقائق من إعلان قيامها، قائلا «المسيح حين كان على الأرض لم يستطع إرضاءهم (اليهود)، كيف يُمكن لأحد أن يتوقع أن تكون لى مثل هذه الفرصة؟» (كتاب جون جوريس «التكوين واليهود الأمريكيون وأسس الصراع العربى ــ الإسرائيلى»).
من عقود حذرهم جولدمان، الذى كان رئيس الوكالة اليهودية وأحد مؤسسى ورؤساء المؤتمر اليهودى العالمى، من «الركوب على ظهر التاريخ، لأنه الركوب على ظهر الشيطان». هكذا كان الخطأ القاتل للإمبراطوريات الكبرى التى شهدنا غروبها الواحدة تلو الأخرى، لتتناهى إلينا تلك القهقهات التى لا ندرى ما إذا كانت قهقهات التاريخ أم قهقهات الشيطان.
شرط الدولة الفلسطينية
كان السخط الإسرائيلى قد انفجر بعدما أعلنت الرياض ربط التطبيع بإقامة الدولة الفلسطينية. القناة 14 قالت: «السعوديون يريدون تعليق جثثنا على حائط المبكى»، وإلى حد السؤال ما «إذا كانت الأسوار قد بدأت تتهدم من حولنا؟». لكن وزير الدفاع يسرائيل كاتس الذى يصف معارضوه رأسه بـ «الحفرة التى تصلح لتربية العناكب» ما زال عند موقفه بأن الطريق إلى «إسرائيل الكبرى» ما زال مفتوحًا على مصراعيه. على هذا الأساس «لا انسحاب من المناطق العازلة فى كل من لبنان وسوريا». البلدان كبوابة لتحقيق الخرافة، ينبغى أن يبقيا على فوهة البركان.
مثلما تسللت تلك الثلة من الذئاب تحت الظلام إلى السلطة، لا تزال قابعة فى الظلام، وتحت شعار الحاخام مئير كاهانا «لتنطفئ كل الشموع فى الشرق الأوسط». ثمة أسئلة كثيرة على الساحة الإسرائيلية ما إذا كان اليمين الذى بقى على هامش السلطة لنحو ربع قرن فى الطريق إلى التقهقر. استطلاعات الرأى تُظهر تقدم الجنرال غادى آيزنكوت الذى، فى نظرنا، لا يُمكن أن تُقارن شخصيته بشخصية بنيامين نتنياهو، بأبعادها الشكسبيرية. لا وضوح فى الصورة؛ لكنه الرجل الذى وصف لبنان بـ «مقبرة رؤساء وزراء إسرائيل»، بطبيعة الحال لا يريد أن يكون له قبر هناك. ولكن هل يُمكن له تشكيل حكومة فى وسط تلك الفسيفساء السياسية البالغة التعقيد «لكأننا أمام غرنيكا سياسية» كما كتبت «معاريف»، التى ترى أن «تشكيل الحكومة يحتاج إلى ثعلب محنك، لا إلى جرذ يحفر عشوائيا فى الأرض».
زعيم الليكود لا يريد أن ينتهى كما انتهى مرشده الروحى مناحيم بيجن داخل بطانية الصوف، ولا كما انتهى «بطله الأسطورى» آرييل شارون فى الغيبوبة. أما إيهود أولمرت، فقد شق طريقه بخطى حثيثة إلى الزنزانة ليظهر فى الصورة هيكلا عظميا خرج للتو من القبر كى يتناول طبق الحساء، ثم يعود إلى حيثما كان..
زوجته سارة قالت «نحزم حقائبنا ونغادر، ولتحترق إسرائيل» بعدما قال عاموس هرئيل إن نتنياهو انتهز تلك «اللحظة الإيرانية» ليخوض تلك السلسلة من الحروب، وحيث أدت حربُ غزة الى تعرية الدولة العبرية أمام العالم بالانتقال الغبى من دور الضحية التى كان يستقطب قوى هائلة فى الغرب إلى دور الجلاد الذى يُفترض أن يُعلق على حبل المشنقة.
إنهم يبيعون أرواحهم للشيطان
فى إسرائيل وحيث الدخول الأعمى فى الثقافة التوراتية أو فى الثقافة التلمودية، لا بد للساسة من أن يقتدوا بتراجيدية «فاوست» لعملاق الأدب الألمانى غوته، أى أن يبيعوا أرواحهم للشيطان. لا إدراك البتة للتحولات التى تحدث فى الرأى العام الأمريكى، ولا فى الرأى العام العالمى. لنتابع ما يُقال، وما يُكتب. الآن فى «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى» صدمة داخل «الدولة العميقة» فى إسرائيل، وإلى حد القول «لكأن يهوه تخلى عنا فى هذا الظلام». التوقيع على اتفاقية مكة الدفاعية بين السعودية وتركيا وباكستان، لا بد من أن يؤدى إلى إحداث انقلاب فى المشهد الاستراتيجى للشرق الأوسط.
كلام من قبيل ليست بالاتفاقية الموحى بها أو المُبرمجة، ولأغراض محددة، من الخارج، بل إنها ناتجة عن المصالح المشتركة للدول الثلاث، مع تداعيات ذلك على دول أخرى لطالما عانت من الفوضى الأيديولوجية، بأبعادها الجيوسياسية والجيوستراتيجية، مع تسليط الضوء على «الدرع النووى» الباكستانى الذى لا بد يدفع بعيدا بالتهديدات الإسرائيلية التى طالما ركزت «على الضربات النووية المنتظرة، بل والحتمية».
بطبيعة الحال لا بد للاتفاقية من أن تحمل تل أبيب، وربما غيرها أيضا، على إعادة النظر بالمُقاربة الصماء لـ «اللاهوت الاستراتيجى»، بعدما تبين أن هناك من يرى الواقع من ثقب الباب ليضع المنطقة دوما على حافة الهاوية أو على حافة النهاية. ليبقى السؤال عن موقف القوى العظمى من الاتفاقية الثلاثية، وهل حقا ما انتهى إليه الفيلسوف الفرنسى فرنسوا بورغا حول ضرورة الحد من دور «الأصابع الغليظة» فى محاولة إدارة الأجيال وإدارة الثروات، وحتى إدارة الأزمنة، فى الشرق الأوسط؟
لكننا الآن فى وسط تلك الفوضى الأبوكاليبتية، وحيث «رقصة الفالس فوق الجثث»، حتى إن الجنرال الأمريكى ديفيد بترايوس، الذى دعا إلى الخروج مما دعاها بـ «استراتيجية المستنقعات»، يرى «ضرورة أن يبحث سكان الشرق الأوسط عن طرقات أخرى، وعن أبواب أخرى لصناعة الأُفق، لا البقاء إلى الأبد رهينة الخنادق أو رهينة القبور». لعلها نهاية الرؤوس المُقفلة والأزمنة المُقفلة.
منذ قرون قال الفيلسوف اليهودى الهولندى باروخ سبينوزا لليهود «اخلعوا هذا النوع من الحاخامات عن أكتافكم مثلما تخلعون معاطفكم الرثة، لأنهم يمتطون النصوص المقدسة مثلما يمتطون أرواحكم»، فكان أن طاردوه بالسكاكين من هولندا الى موطن آبائه البرتغال. كم نوع من الحاخامات، ومن أقصى الأرض الى أدناها، يطاردوننا بالسكاكين، حتى فى عقر دارنا، كى نبقى فى دوامة البقاء أو اللابقاء!
نبيه البرجى
مؤسسة الفكر العربى