جغرافية «صوت المكان»

طلعت إسماعيل
طلعت إسماعيل

آخر تحديث: الإثنين 7 سبتمبر 2026 - 9:05 م بتوقيت القاهرة

 على وقع سير أقدام عاطف معتمد، أستاذ الجغرافيا فى جامعة القاهرة، والمثقف الموسوعى، قضيت عطلة نهاية الأسبوع مع واحد من كتبه التى تجمع بين خبرة الباحث والأكاديمى المدقق، والأديب المتجول بحرية فى مدن مصر وصحاريها، بريفها وحضرها، فى شمالها وجنوبها، وشرقها وغربها، مستكشفا ما خفى عن العيون فى مناطق بعضها معروف، وأخرى مجهولة للسواد الأعظم من الناس.

فى «صوت المكان.. سيرا على الأقدام فى جغرافية مصر» الصادر عن دار الشروق، يشاركنى الدكتور معتمد وكثيرون الحب العميق للإسكندرية التى بدأ كتابه من «شطها» بافتتاحية مبهجة ومؤلمة فى آن واحد فهى: «مدينة عجيبة تجلب لك السعادة بمثل ما تجلب لك الألم، والألم هنا مصدره تيقنك من أن ما يندثر ويتراجع ويتدهور غير قابل للاسترداد أو التعويض».

 الإسكندرية التى بناها الإسكندر الأكبر عام 332 قبل الميلاد، وكانت ذات يوم مدينة متعددة الأعراق، معولمة الثقافة، يخشى معتمد أن يأتى يوم يتغير فيه اسمها من «عروس المتوسط الكوزموبوليتان» إلى «حدف بحر متنافر الأصناف»!

لكن لماذا هذه المخاوف على مستقبل مدينة عمرها يتجاوز الألفى عام؟ يقول: «الإسكندرية كل يوم تفقد الهويات العمرانية لصالح نمو مكعبات السكن، فى شكل أقرب إلى ريف متمدن أو مدينة متريفة»، ليصبح البحث عن الإسكندرية الكوزموبوليتانية فى الربع الأول من القرن العشرين «محض سراب».

تعبير «محض سراب» ذكرنى بعدد من الأعمال الأدبية التى تبكى الإسكندرية الكوزموبوليتانية، ومن بين تلك الأعمال «الإسكندرية مدينة الذكرى» للمؤرخ البريطانى مايكل هاج، و«أيام الإسكندرية» لليونانى ذيميتريس س.ستيفاناكيس، و«الإسكندرية سراب» للشاعر والأديب الألمانى يوآخيم سارتوريوس، والذى يتساءل: هل كانت الإسكندرية بالطابع الكوزموبوليتانى «حقيقة أم سراب؟، أم حقيقة أضحت إلى سراب؟».

أعود إلى «صوت المكان» حيث يقف بنا الكاتب عند النصب التذكارى للزعيم سعد زغلول قائلا: «ربما لا يدرك كثير منا أن التمثال المهيب الذى نحته محمود مختار قبل قرن من الزمن ويقف الآن غير بعيد عن محطة الرمل على ساحل الإسكندرية، يحاول أن يعوض خسارة وفقد أهم معلم أثرى فى كل الإسكندرية، والذى كانت تمثله اثنتان من أعظم المسلات الفرعونية المعروفة تجاوزا باسم «مسلة كليوباترا».

 بلغت شهرة هاتين المسلتين أن الأقدمين كانوا يعتبرونهما النظير المقابل لأهرامات الجيزة (...) وقد ظلت المسلتان على ساحل الإسكندرية قرونا متصلة، وتحت تهديد الديون التى وقع فيها الخديوى إسماعيل تم إهداء المسلتين: واحدة إلى إنجلترا ليتم رفعها فى لندن، والثانية إلى الولايات المتحدة ليتم رفعها فى نيويورك. ..(!) علامة التعجب من عندى.

يترك المؤلف الإسكندرية بعد جولة تفصيلة بميادينها وأحيائها، ليأخذنا إلى الساحل الشمالى الغربى «الطيب منه والشرير» و الممتد من غرب عروس المتوسط حتى السلوم، متحدثا عن الحق فى المكان لأنه من دون بحر يرتاده الجميع «كيف سيظهر عندنا مستكشفون يتحلون بالجرأة، والشجاعة والمقاومة والبطولة؟».

ويتساءل أيضا: كيف سنكتشف ثروات البحر المفتوح؟ كيف ستولد الأفكار العبقرية عند العلماء كما سقطت التفاحة على رأس نيوتن؟ كيف ستولد الأحلام بأن يكون من بين أبنائنا بحارة وغواصون وملاحون ومستكشفون للأفق البعيد؟

تساؤلات مشروعة عن بحر يغلق فى وجه العموم من الناس، ومياه يصعب الوصول إليها إلا بجواز مرور يحمل أختاما أو «باركود» يحتاج إلى الكثير من الأموال!

يحفل الكتاب بالعديد من المحطات الشائقة، التى يروى عنها معتمد الحكايات والقصص التى  تشكل ذاكرة المكان، وتعكس روحه، فى الدلتا والصعيد، ورمال الصحراء الشرقية والغربية، ليصل بعد المرور على رأس الحكمة إلى "الخروبة" إحدى القرى البدوية فى محافظة مطروح.

فى الخروبة  يلتقى المؤلف الشيخ حامد المرابط الذى يقول إن اسم قريته لم يشتق من شجرة "الخروب" بل جاء من الخراب الذى كان يعيش فيه الأجداد وسط السيول والرياح  قبل أن يصل الخضار والعمار إلى المكان فى العقود الأخيرة.

 وفى قفزة هائلة ينتقل بنا كتاب "صوت المكان" إلى بلاد النوبة  و"سن كداب"  الذى يقع غرب بحيرة ناصر، فى منتصف الطريق بين أسوان وأبى سمبل عند هضبة من الحجر الجيري، ليروى لنا جانبا من هلاوسه عن الاسم الذى يحمله المكان.

يواصل الكتاب السياحة بين المحافظات ويقف طويلا فى قنا قبل أن يصل المنيا ويقترب من ملوى والبرشا و تونة الجبل، متجاوزا فى طريقه ولا أعلم لماذا محافظة سوهاج ،مسقط رأس العبد لله؟..  وعلى ما يبدو أن د.معتمد لم يجد فيها دروبا سالكة، فآثر الابتعاد.. لكن ذلك لا يمنعنا من تسجيل إعجابنا بكتاب يقول مؤلفه إنه" جغرافية شعبية لكل الناس، تحاول فهم بلادنا ..أرضها وسكانها".

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved