التديُّن والتقدم

جلال أمين
جلال أمين

آخر تحديث: الجمعة 7 أكتوبر 2011 - 9:10 ص بتوقيت القاهرة

كانت زيارة السيد رجب طيب أردوغان، رئيس وزراء تركيا لمصر، فى الشهر الماضى، زيارة مثيرة وفريدة من نوعها من أكثر من ناحية. جلبت الفرح لكثير من المصريين (أنا واحد منهم) ولكنها ــ لابد أيضا ــ أثارت القلق لدى البعض الآخر، فى مصر وخارجها.

 

فها هى تركيا تقدم لنا تجربة مثيرة فى الجمع بين التدين وبين التقدم الاقتصادى والسياسى والاجتماعى، لم ير المصريون أو العرب أو المسلمون مثلها منذ زمن طويل. وهى تجربة حديثة على تركيا أيضا، إذ لا تذكر تركيا فى تاريخها الحديث إلا نوعين من التجارب: تدين مقترن بالتخلف (فى القرون الأخيرة من الخلافة العثمانية)، أو تقدم مقترن بالتنكر الصريح للدين (فى عهد أتاتورك). أما هذا الجمع بين التدين والتقدم، كالذى اتسم به النظام التركى خلال العقد الماضى، فهو شىء جديد ومثير فى نفس الوقت، ويستحق التفكير والتأمل.

 

لابد من الاعتراف، مع ذلك، بأن هذه الظاهرة التركية قد أصابت بعض المثقفين المصريين بشىء من الحيرة، السيد أردوغان متدين حقا، وتركيا بدأت بلا شك نهضة حقيقية فى مختلف نواحى الحياة، منذ جاء أردوغان إلى الحكم، ولكن أردوغان يجهر صراحة بأن نظام حكمه علمانى، إذ قال إن الدولة التركية تحرص على أن تقف على مسافات متساوية من كل الأديان. كما قال بوضوح إنه وإن كان مسلما متدينا فإنه لا يحكم باسم الإسلام، إذ إنه يعرف أنه كشخص أو كحاكم يمكن أن يخطئ، ولكن الإسلام لا يمكن أن يخطئ، ومن ثم فإنه لو ادعى أنه يحكم باسم الإسلام، قد يلحق الضرر بسمعة الدين الذى يجله ويدين به، إذا ارتكب هو خطأ فى تفسيره.

 

هذا الجميع بين تدين الحاكم كشخص، وبين علمانية الدولة، هو ما أثار الحيرة لدى بعض المصريين الذين يكرهون وصف العلمانية ويكادون يعتبرونه مرادفا لشىء قريب من الكفر. كيف يمكن التوفيق (هكذا تساءل هذا الفريق من المصريين) بين حبهم وتقديرهم لأردوغان ولتجربته المبهرة فى تركيا، وبين رفضهم للعلمانية التى وصف بها الرجل سياسة الدولة التركية؟

 

اصارح القارئ بأننى، رغم تفهمى لهذه الحيرة لدى فريق من المصريين، لا أعتبر نفسى من أفراد هذا الفريق، إذ إننى لا أرى تعارضا بين التدين وبين النهضة، ولا بين التدين وبين علمانية الدولة، كما أننى، من ناحية أخرى، لا أشك فى إمكانية التعارض بين بعض أشكال التدين وبين النهضة والتقدم، وهو ما سأحاول بيانه فى هذا المقال، ومقالات تالية.

 

●●●

 

نحن نعيش منذ ما يقرب من أربعين عاما، فى حالة يمكن وصفها بـ«المد الدينى». البعض يسميها «صحوة دينية» ولكننى أفضل وصف «المد الدينى» لأسباب سوف تتضح بعد قليل.

 

إنها فترة اتسمت بارتفاع نبرة الخطاب الدينى وانتشاره، وزيادة قوته بل وسطوته مع ميل واضح لتفسير الدين تفسيرا أكثرا تشددا من ذى قبل.

 

هذا المد الدينى لا يقتصر على دولة واحدة أو عدد قليل من الدول، بل ولا على دين واحد دون غيره من الأديان. فالظاهرة مصرية كما هى عربية، وهى أيضا إيرانية وباكستانية وأفغانية وتركية. وتشمل المسلمين فى البلاد الإسلامية كما تشملهم فى أوروبا والولايات المتحدة وغيرهما. وهى ظاهرة شملت، ولو بدرجة أقل قوة، شعوبا تدين بالمسيحية، وتنتمى إلى مراحل مختلفة من مراحل التطور الاقتصادى والاجتماعى، من أوروبا والولايات المتحدة إلى أمريكا اللاتينية، إلى الأقليات المسيحية داخل البلاد العربية.

 

تجلت ظاهرة المد الدينى فى مجالات متعددة من مجالات الحياة الاجتماعية، فى الثقافة والفكر، فى المدارس ووسائل الإعلام، فى زيادة عدد المترددين على المساجد والكنائس، وغيرها من أماكن العبادة، وفى ارتفاع درجة التشدد فى تطبيق شعائر الدين، كما تجلى أثر التدين فى مختلف أنواع السلوك الاجتماعى، فى نوع الملابس، خاصة ملابس النساء، وفى انتشار استخدام التعبيرات الدينية فى الحديث والكتابة، وفى انخفاض درجة التسامح بوجه عام فى التعامل مع أصحاب الديانات الأخرى، وفى ارتفاع درجة التوتر بين المؤمنين بأديان مختلفة... إلخ.

 

إذا كانت ظاهرة المد الدينى قد زادت قوتها وانتشارها إلى هذا الحد، وامتد تأثيرها إلى مختلف جوانب الحياة الاجتماعية، فكيف لا نتوقع أن تمتد أيضا إلى النشاط السياسى، وإلى حركات المقاومة السياسية، سواء كانت مقاومة ضد عدوان خارجى أو ضد التسلط والاستبداد فى الداخل؟

 

كان هذا هو ما حدث بالفعل. فمنذ أوائل السبعينيات نمت الحركات السياسية التى تجمع بين الشعارات السياسية والدينية، كما نمت حركات المقاومة المتخذة طابعا دينيا، والتى تستخدم الخطاب الدينى فى صياغة مواقفها السياسية فى مصر والبلاد العربية الأخرى، التى ترفع شعارات دينية وتصيغ أهدافها صياغة دينية. كما تحول خطاب المقاومة الفلسطينية للاحتلال الإسرائيلى من خطاب قومى علمانى إلى خطاب دينى. ورأينا ذلك أيضا فى مقاومة اللبنانيين للعدوان الإسرائيلى فى 1982، ثم فى 2006، وفى ثورة الإيرانيين على حكم الشاه، وفى المقاومة العراقية للاحتلال الأمريكى البريطانى، ومقاومة الأفغان للاحتلال السوفييتى ثم للاحتلال الأمريكى... إلخ. قد نضيف إلى ذلك بالطبع، مختلف الحركات التى يطلق عليها بحق أو بغير حق وصف «الحركات الإرهابية»، سواء كانت تعبيرا حقيقيا عن حركات دينية قررت أن تستخدم وسائل إرهابية للانتصار للإسلام، أو مجرد محاولات لتشويه صورة الإسلام بوصمه بالإرهاب.

 

من الصعب أن نفصل هذا الميل المتزايد لاستخدام الخطاب الدينى فى الحركات السياسية عن ظاهرة المد الدينى بصفة عامة.

 

فإذا كان كل شىء «يتدين»: السلوك اليومى والفكر والتعليم.. إلخ، فلماذا نستغرب أن تتدين أيضا السياسات وحركات المقاومة؟ إننى أميل إلى النظر إلى كل هذا كأجزاء من ظاهرة المد الدينى بصفة عامة، ومن ثم لابد لنا من البحث عن تفسير هذه الظاهرة العامة.

 

يمكن فى رأيى تفسير نشوء أو نمو ظاهرة المد الدينى خلال الثلاثين أو الأربعين عاما الماضية بعاملين أساسيين: أحدهما يتعلق بما طرأ من تغير على العلاقات بين الدول والأمم، والآخر بما طرأ على العلاقات الاجتماعية فى داخل البلد الواحد والأمة الواحدة (وكل من العاملين وثيق الصلة فى رأيى بالعامل الآخر وقد يكون الاثنان نتيجة لأسباب مشتركة). وسأتناول هذين العاملين على التوالى.

 

●●●

 

أما التطورات التى طرأت على العلاقات الدولية فأقصد بها ما حدث خلال الثلاثين أو الأربعين عاما الماضية من تصاعد موجة جديدة من العولمة. إننى أصف هذه الموجة من العولمة بـ«الجديدة» لأن العولمة ظاهرة قديمة، تعلو وتهبط، تشتد ثم تضعف، ويمكن بلا شك اعتبار الموجات الاستعمارية المتتالية، الحديثة والقديمة، موجات من العولمة، قربت المسافات التى تقطعها السلع والأشخاص ورؤوس الأموال والأفكار والعادات، ولكن هذه الموجة الأخيرة من موجات العولمة تميزت عن موجات العولمة السابقة ببضع سمات لها علاقة وثيقة فى رأيى بظاهرة المد الدينى.

 

إن موجات الاستعمار كلها، قديمها وحديثها، كان لها دائما دوافع اقتصادية قوية (حتى وإن اقترنت أحيانا بدوافع أخرى عسكرية أو سياسية أو أيديولوجية). وتتمثل هذه الدوافع الاقتصادية فى الرغبة فى الحصول على مواد أولية رخيصة، أو عمل رخيص، أو فتح أسواق جديدة أو مجالات جديدة للاستثمار، أو كل هذا معا. وقد كانت هذه الدوافع الاقتصادية فى المراحل المتعاقبة من التاريخ، تحفز دولة قوية إلى احتلال دولة أخرى أضعف منها، أى إلى الاعتداء العسكرى. ولكن الدوافع الاقتصادية وراء الموجة الاستعمارية الحالية (وإن اتخذت أحيانا صورة الاحتلال والاعتداء العسكرى) تحفز الدول والشركات إلى الاعتداء فى مجالات أخرى أيضا وبصور مختلفة. نعم، مازال الاحتلال والاعتداء العسكرى من أدوات الاستعمار، ووسيلة من وسائل تأمين الحصول على مواد أولية رخيصة وعمل رخيص، وتصريف السلع الباحثة عن أسواق، وفتح مجالات جديدة للاستثمار، ولكن السلع الباحثة عن أسواق، ذات طبيعة مختلفة عما كانت فى الماضى، ولم يعد القهر المادى أكثر الوسائل فعالية لضمان التسوق وفتح مجالات جديدة للاستثمار، بل أصبحت الوسيلة الفعالة هى الإغراء وتطويع المستهلك بالحسنى. الاستعمار (ويجب ألا نخجل من استخدام هذه الكلمة الآن وكأن ظاهرة الاستعمار لم يعد لها وجود)، يعمل الآن فى ميدان النفس البشرية، ويعتدى على العقول أكثر مما يعمل فى ميدان الحرب والاعتداء المادى. كما أصبح للاستعمار وسائل لتحقيق هذا النوع الجديد من الاعتداء لم تكن موجودة من قبل، أو على الأقل لم تكن موجودة بنفس الدرجة.

 

لم يعد التهديد موجها للأرض بقدر ما هو موجه للهوية، وعندما تكون الهوية مهددة يستيقظ الحس الدينى، وتهب الحمية الدينية للدفاع. بعبارة أخرى، فى ظل موجات الاستعمار القديمة، يهب المهددون بالاستعمار للدفاع عن أراضيهم وحياتهم برفع السلاح المادى ضد سلاح مادى. أما فى موجة الاستعمار الحالية، فإن المهددين بالعولمة والاغتراب يهب كثيرون للدفاع عن هويتهم بالتمسك بالدين، وتختار المقاومة خطابا يتناسب مع نوع الاعتداء، فإذا به، فى أحوال كثيرة خطاب دينى.

 

ولكن إلى جانب هذا التطور العالمى (أو الخارجى) كان هناك عامل قوى آخر فى داخل البلد الواحد والأمة الواحدة، ويعمل فى نفس الاتجاه، ويعطى مزيدا من الدعم للمد الدينى.

 

وسوف أتناول هذا العامل الداخلى فى المقال المقبل.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved