من مضيق هرمز إلى باب المندب.. عن الأهمية الاستراتيجية للممرات المائية الدولية

وليد محمود عبد الناصر
وليد محمود عبد الناصر

آخر تحديث: الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 7:00 م بتوقيت القاهرة

تتسارع وتيرة الأحداث وتتوالى التطورات فى سياق الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران. إلا أنه من أبرز معالم هذه الحرب سعى إيران منذ منتصف المرحلة الأولى من تلك الحرب، أى فى ربيع العام الحالى 2026، إلى توظيف ورقة الملاحة الدولية فى مضيق هرمز كورقة ضغط فى يدها توازن بها أوراق الضغط الموجودة لدى الجانبين الأمريكى والإسرائيلى، واستمرارها فى لعب تلك الورقة. وتلى ذلك، وعقب تمكن الولايات المتحدة الأمريكية بدرجة ما من استخدام نفس الورقة لفرض حصار بحرى على إيران، تحولت طهران إلى إضافة توظيف ورقة باب المندب والملاحة الدولية من خلاله لزيادة الضغوط على واشنطن وحلفائها، وذلك بالطبع بالوكالة عبر جماعة «أنصار الله»، المعروفة إعلاميًا باسم «جماعة الحوثيين»، المتحالفة مع إيران والمسيطرة على أجزاء من اليمن.

وتفرض هذه التطورات نفسها بقوة أمام أى متابع أو مراقب يسعى لتحليل هذا التعاظم فى صراع الإرادات والقوة والمصالح فى سياق السعى للسيطرة على ممرات بحرية حيوية واستراتيجية للملاحة الدولية. ولا يقتصر الأمر هنا على دلالات ذلك التعاظم بالنسبة للحرب الجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وبعض حلفائهما الإقليميين والدوليين من جهة وبين إيران وبعض حلفائها الإقليميين والدوليين من جهة أخرى، ولكن يمتد لكى تتسع زاوية الرؤية بما يشمل دلالات هذا التعاظم فى إطار مختلف جوانب الصورة الاستراتيجية المتكاملة لأهمية الممرات المائية الدولية فى العلاقات الدولية بشكل عام، وفى أوقات الحرب والسلام على حد سواء.

وإذا كان الإغريق والفينيقيون هم أول من ينسب إليهم فضل إدراك أهمية البحار والمحيطات والوعى بأهميتها، خاصة البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسى، فإن عصر الكشوف الجغرافية ما بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر هو الذى شهد تحول المحيطين الأطلسى والهندى إلى مسارات رئيسية للتجارة الدولية. وبناءً على ذلك، سعت الإمبراطوريات الاستعمارية فى ذلك الوقت، وهى إسبانيا والبرتغال، وفى فترة لاحقة بريطانيا العظمى، إلى فرض سيطرتها العسكرية على البحار والمحيطات الكبرى، وذلك لخدمة عدة أهداف فى نفس الوقت. وتضمنت هذه الأهداف ربط المستعمرات التابعة لها بعواصم تلك الإمبراطوريات بشكل آمن، سواء كانت هذه المستعمرات فى العالم الجديد المكتشف حديثًا آنذاك (الأمريكيتان ثم أستراليا ونيوزيلاندا)، أو كانت تقع فى بلدان إفريقيا وآسيا، بالإضافة إلى تأمين الثروات فى تلك المستعمرات وجلبها كمواد أولية لمراكز تلك الإمبراطوريات، خاصة مع تطورات الثورة الصناعية الأولى. يضاف إلى ذلك هدف تأمين نقل المنتجات من المركز إلى المستعمرات لاستغلال الأسواق الاستهلاكية التى توفرها تلك المستعمرات. ولا يجب أن ننسى أيضًا الثروات التى تعج بها أعماق هذه البحار والمحيطات، والتى تعاظم الاهتمام بها كلما حدثت طفرة فى التقدم العلمى والتكنولوجى مكنت من التعرف على وإمكانية استغلال المزيد من تلك الثروات، بدءًا بالأسماك وغيرها من الكائنات البحار، مرورًا بالأعشاب النادرة والمستخدم بعضها فى صناعات دوائية، ووصولًا إلى النفط والغاز والمعادن الأخرى ذات القيمة المرتفعة، بدون أن ننسى تحلية مياه البحار والمحيطات، وهو ما تقلصت تكلفته مع التقدم العلمى والتكنولوجى، لتعويض حالة الفقر المائى المتزايدة عالميًا، وأخيرًا وليس آخرًا ضمان أمن سلاسل الإمداد العالمية.

إلا أن التأسيس النظرى لدور البحار والمحيطات فى العلوم الاستراتيجية وفى العلوم الجيوسياسية بدأ يتبلور فى نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وكانت البداية متمثلة فى نظرية «القوة البحرية» للأمريكى «ألفريد ماهان»، ضابط البحرية الذى تحول إلى مؤرخ ومنظر فى مجال الجغرافيا السياسية والعلاقات الدولية، فى عام 1890، حيث قدم فى كتابه الشهير «تأثير القوة البحرية على التاريخ» أطروحة مفادها أن السيطرة على البحار والمحيطات هى المفتاح الحقيقى لتحقيق الهيمنة العالمية. وقد سعت كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا لتطبيق هذه النظرية على أرض الواقع وركزت على بناء أساطيل عملاقة وضخمة.

وإذا كان البريطانى «هالفورد ماكيندر» أحد مؤسسى علم الجغرافيا السياسية فى نظريته «قلب العالم»، والتى طرحها فى عام 1904، قد ركز على الأرض، وتحديدًا على ما أسماه «قلب العالم» فى «أوراسيا»، فإنه اعتبر أن الصراع بين القوة البرية والقوة البحرية هو محور حركة التاريخ، وهو الطرح الذى دفع علماء الاستراتيجية فيما بعد زمنه إلى التركيز على كيفية تحقيق الاختراق للأطراف البحرية لما اسماه بقلب العالم.

وفى عام 1944 خرج عالم السياسة الهولندى الأمريكى «نيكولاس سبيكمان» بتعديلات على نظرية «ماكيندر»؛ حيث طرح مفهوم أن من يسيطر على الممرات والمضايق البحرية الدولية يسيطر على «أوراسيا»، ومن ثم يسيطر على العالم بأسره، ووصف هذه الممرات والمضايق بأنها المفاتيح الحقيقية للسيطرة على التجارة والطاقة العالمية.

أما على الصعيد السياسى الدولى، فقد نجحت عملية تفاوضية طويلة وصعبة استغرقت تسع سنوات وجرت فى إطار الأمم المتحدة فى التوصل إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار فى جامايكا فى 10 ديسمبر 1982، وهى الاتفاقية التى دخلت حيز النفاذ فى 16 نوفمبر 1994. إلا أن ما حققته تلك الاتفاقية من تقدم كبير واتفاقات هامة بشأن عدد من القضايا والإشكاليات الصعبة مثل «المياه الإقليمية» و«المنطقة الاقتصادية الخالصة» لم يعن على الإطلاق انتهاء النزاعات والصراعات الخاصة بالبحار والمحيطات فيما بين الدول.

وفى واقع الأمر، فإن النزاعات والصراعات المتعلقة بالممرات والمضايق البحرية الدولية لا تقتصر على مضيق هرمز أو باب المندب فقط، بل تشمل أيضًا مثل مضيق تايوان وبحر البلطيق.

وهنا يتعين التركيز بشكل خاص على كل من قناة السويس وقناة بنما، ولكل منهما قصة كفاح طويل لتحقيق السيطرة الوطنية على الممرات المائية الحيوية وذات الأهمية الاستراتيجية للملاحة الدولية والتى تمر داخل البلد الواحد.

وقصة قناة السويس معروفة للمصريين والعرب وللعالم بأسره. فهى التى حفرها مليون من العمال المصريين ما بين عامى 1859 وحتى افتتاحها فى عام 1869، بالسخرة لفترة أول أربعة سنوات ثم بأجور زهيدة بقية سنوات الحفر، وفى كل الأحوال فى ظل ظروف عمل صعبة للغاية. إلا أن ملكية أسهم شركتها انتقلت للأجانب، خاصة من البريطانيين والفرنسيين، بسبب تزايد مديونية حكام مصر من أسرة محمد على فى القرن التاسع عشر والتى نتجت عن تبنيهم لسياسات اقتصادية خاطئة وأنماط إنفاق تتصف بالتبذير والبذخ. وأعلن الزعيم المصرى الراحل جمال عبدالناصر تأميم الحكومة المصرية للشركة وتحويلها لشركة مساهمة مصرية فى 26 يوليو 1956. ونجحت مصر، بدعم عربى ودولى واسع، فى التصدى للعدوان الثلاثى البريطانى الفرنسى الإسرائيلى عليها ردًا على تأميم القناة فى نفس العام وثبتت ملكية مصر الخالصة لها، بالرغم من إغلاقها لمدة ثمانية سنوات ما بين حرب يونيو 1967 وإعادة افتتاحها فى 5 يونيو 1975.

أما قناة بنما، والتى افتتحت رسميًا فى هام 1914، فقد ناضل البنميون طويلًا لاستعادتها من قبضة السيطرة الأمريكية عليها. وكللت هذه الجهود بالنجاح فى ظل الإدارة الديمقراطية للرئيس الأمريكى الراحل «جيمى كارتر»؛ حيث تم فى عام 1977 توقيع معاهدة «كارتر ــ توريخوس» بين الرئيس كارتر والرئيس البنمى آنذاك «عمر توريخوس»، والتى نصت على إنهاء السيطرة الأمريكية بشكل تدريجى على القناة وتسليم إدارة القناة بشكل كامل إلى حكومة جمهورية بنما بحلول 31 ديسمبر 1999، وهو الأمر الذى تم بالفعل. واعتبر دستور بنما منذ ذلك التاريخ القناة تراثًا غير قابل للتصرف لجمهورية بنما، فلا يحوز بيعها أو رهنها أو التنازل عنها بأى صورة من الصور وأن سيادة جمهورية بنما على الممر المائى مطلقة وغير قابلة للتفاوض. ومثلها مثل قناة السويس، تم تأسيس هيئة حكومية مستقلة لإدارة قناة بنما من قبل الحكومة البنمية منوط بها تشغيل وصيانة القناة، ولهذه الهيئة البنمية قانون أساسى خاص بها ولها شخصية قانونية اعتبارية وميزانية خاصة بها، ولها مجلس إدارة مسئول عن إدارتها.

ومنذ بداية الألفية الثالثة والقرن الحادى والعشرين، تزايد الصراع على الممرات المائية وعلى الموارد عبر العالم، وانتقل التركيز بشأن الممرات المائية الدولية من مجرد تأمين العبور البحرى للأفراد وللمنتجات إلى حراسة سلاسل الإمداد العالمية، وضمان أمن الطاقة من نفط وغاز، بالإضافة إلى السعى لامتلاك المعادن النادرة فى أعماق البحار. ولا يجب أن ننسى أن العديد من المبادرات الوطنية ذات الأبعاد الدولية مرتبطة أيضًا بالممرات المائية الدولية، ونذكر منها هنا على سبيل المثال لا الحصر مبادرة «الحزام والطريق» الصينية التى تسعى للدمج بين البعدين البرى والبحرى وذلك بهدف إعادة رسم خريطة التجارة العالمية.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved