ضرورة مراجعة مسيرة مجلس التعاون المتعثّرة

علي محمد فخرو
علي محمد فخرو

آخر تحديث: الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 7:05 م بتوقيت القاهرة

  عندما أعلن منذ أربعة عقود عن ولادة مجلس التعاون الخليجى ونشر نظامه الأساسى تكونت لدى كل شعوب أقطاره السّت آمال كبيرة وقناعات راسخة بأن المجلس سيتجه نحو تغيير وتحسين أوضاع مجتمعاته وشعوبه على الأقل فى المجالات الحياتية التالية:

أولا: فى المجال الاقتصادى سيتجه نحو تكوين وحدة على الأقل مشابهة للكتلة الأوروبية فى بناء سوق عمل واحدة ومشاريع صناعية وتجارية مشتركة ورفع لكل الحواجز الجمركية وتكامل مع مشروع السوق العربية الواحدة، ومن ثم استقلالية اقتصادية ومالية إلى أبعد الحدود الممكنة من خلال إمكانيات الثروة البترولية والغازية الهائلة التى أنعم الله بها على كل أجزاء المجلس.

ثانيا: وفى المجال الأمنى اعتقد الناس بأن الخطوات اللازمة للبدء أولا بتنسيق وتعاون الأجهزة الأمنية الداخلية وكل مكونات الجيوش الوطنية للانتقال تدريجيا لتوحيدها فى المدى المنظور، وعلى الأخص فيما يتعلق بتكوين جيش واحد مشترك يدافع عن الجميع، وبناء نظام أمنى موحد للدفاع عن الاستقرار الداخلى فى كل قطر إذا وجدت الحاجة لذلك وأينما وجدت. وأضاف الكثيرون تطلعهم لبناء صناعة حربية حديثة متطورة فى واحد أو أكثر من أقطاره تتناسق وتتعاون مع مشروع الصناعة العربية الموحدة الذى بدأ الإعداد له فى الجامعة العربية آنذاك.

وما زاد من أهمية وواقعية تلك الطموحات تواجد كارثة الحرب العراقية – الإيرانية آنذاك والتى كادت أصوات العبث وقوى الخارج الاستعمارية أن تدفع بكل دول المجلس فى أتونها وتعقيداتها الواحدة تلو الأخرى.

ثالثا: وفى الحقل السياسى أن يبدأ المجلس بإيجاد مسيرة تنسيق وتعاون فيما بين أعضائه بالنسبة للقضايا القومية والإسلامية والدولية، بحيث لا يتصرف أى قطر تصرفات قد تحرج المجلس أو تقوده إلى صراعات هو فى غنى عنها، مع تفهّم الجميع على الأخص للالتزامات القومية العروبية المشتركة وعلى الأخص تجاه قضية العرب الأولى فى فلسطين المحتلة والوقوف مع شعبها المقاوم للاحتلال والهائم على وجهه فى المنافى.

وكان من المنتظر أن يصبح المجلس هو أحد المساندين لدعم كل القرارات العربية التى تؤخذ فى الجامعة العربية وفى مؤتمرات القمم العربية وفى منظمة التعاون الإسلامى. وكان المطلوب من المجلس أن يكون مكمّلا لأية مؤسسة عربية أو مؤسسة عربية – إسلامية وداعما ماليا أساسيا لنشاطاتها. وكان الأمل أن يصل أعضاء المجلس فى يوم ما إلى إعطاء أولوية وأفضلية لسياسات المجلس المشتركة، ذات التأثير على الجميع، وجعل السيادة المشتركة لا تقل عن ولا تتعارض مع السيادة الوطنية القطرية.

هكذا كانت الآمال وتلك كانت أحلام المستقبل، حملها الناس بحماس وغبطة لكى تكون مسيرة نحو التقدم والاستقلال والمنعة الأمنية والخروج بأسرع ما يمكن من حالات ومصائب التخلف الذى تعيشه منطقة الخليج العربى ويعيشه الوطن العربى كله.

اليوم، إذ نحاول بعد مرور خمس وأربعين سنة على صعود وانتشار تلك الآمال الرائعة والتوقعات العملية الواقعية، نقف جميعا، حيارى ويائسين ومحبطين، أمام فشل مسيرة المجلس نحو تلك الآمال والأحلام.

وأصبح الناس يرددون: أفلم يئن الوقت للمجلس، لكى يوقف مسيرة التدحرج إلى الوراء والفشل التى عاشها وأن تجرى مراجعة موضوعية صادقة لهذه المأساة لتصحيح ما يجب تصحيحه، ولننقد ما يجب أن ينقد بصدق وأمانة، ومعاقبة أية جهة إذ ثبت وساهمت فى إيصال المجلس لهذا الحال البائس، ومن ثم إعطاؤها الخيار بين أن تصلح مواقفها الخاطئة فى الحال أو أن تترك المجلس، سواء برغبتها أو برغبة أغلب أعضاء المجلس المصوتين.

ما عاد من حق أى مكون من مكونات هذا المجلس أن يعطى أفضلية لمصلحة بترولية آنية أو تلبية حاجة لعلاقة أمنية مؤقتة مع قوى الخارج، ما عاد من حقه، إذا كان يريد للمجلس أن يقف معه فى السراء والضراء على مر السنين القادمة، أن يتحجج بحجج واهية تبرر مواقفه الأنانية الضيقة تجاه المجلس الذى هو التأمين الأساسى المؤكدة لتنمية وأمن وتقدم هذا الجزء من الوطن العربى عبر السنين الطويلة القادمة، وهو الذى سيبقى جذوة النهضة الآمنة فى هذه البقعة يوم تجف آبار البترول والغاز فى المستقبل غير البعيد.

أما بعض مثقفى دول المجلس، من الذين انتقلوا بقدرة قادر من صفوف النضال الوحدوى العروبى التقدمى الديموقراطى إلى مرابع البداوة والقبيلة والعشيرة وأصبحوا يبررون تلك المواقف الخاطئة تحت شعارات المصالح الوطنية المؤقتة أو المتخيلة فإن أول من سيتخلى عنهم مستقبلا هم الذين يرحبون اليوم، لأسباب مصلحية واستزلامية، بهم وبتبريراتهم ذات الوجوه المنافقة المتعددة.

مؤسسة هذا المجلس يجب أن تبقى وتقوى وتبدع فى ظل تكاتف دائم إلى حين تحقق الأهداف العروبية الوحدوية التى أكدها نظام المجلس منذ اليوم الأول من قيامه المجيد.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved