المنسى قنديل.. وصياغة معاصرة للأغانى!

إيهاب الملاح
إيهاب الملاح

آخر تحديث: الجمعة 7 ديسمبر 2018 - 10:25 م بتوقيت القاهرة

محمد المنسى قنديل أحد عشاق الكتابة المخلصين الكبار فى هذا الزمان. رواياته وقصصه تحتل مكانها الرفيع بين إنتاج الطبقة الأولى الممتازة من كتاب جيل الستينيات؛ لكنه أيضا فضلا على إبداعه السردى المتدفق كان أحد الذين أولوا وجوههم شطر التراث العربى الزاخر، يقرأه بوعى ويضع يديه على كنوزه ودرره شكلا ومضمونا. وكتابه الرائع «شخصيات حية من الأغانى» واحد من الكتب التى تتجدد قيمتها ويتألق جمالها ويتوهج محتواها بمرور الزمن وكرور السنين.
إن تراثنا العربى باعث على الألم قبل الفخر، وعلى التأمل قبل الصخب؛ ومحاولات التعامل مع هذا التراث؛ خاصة فى شقه اللغوى والأدبى، فى حاجة إلى معرفة عميقة وثقافة واسعة، وصبر وطول تأمل؛ ومن ثم إدراك الحاجة إلى معالجات عصرية فى العرض والصياغة والاستلهام، تراوح فى الحركة بين سؤال الراهن وبين مراعاة السياق والقانون الداخلى لهذا التراث، فى لحظة إنتاجه داخل البيئة العربية، وتتملص من المألوف والعادى فى تقديم هذه المحاولات لدى مقاربة التراث والتاريخ العربى، وهو ما نجح فيه المنسى قنديل بامتياز فى عدد من كتبه، وعلى رأسها «شخصيات حية من الأغانى».
كتابه هذا هو الأوفر شهرة وانتشارا، خاصة بعدما صدرت طبعة جديدة منه فى الأعوام الأخيرة (طبعة دار الكرمة 2015)، بعد عقود من صدور طبعته الأولى، وهو أحد الكتب التى يمكن أن نطلق عليها «كتب النوستالجيا الحية». ويكاد لا يوجد محب للتراث أو قارئ اتصل بسبب بتراث العرب الأدبى الزاخر، إلا واحتل هذا الكتاب الفريد مكانة خاصة فى وجدانه وعقله.
«شخصيات حية من الأغانى» كان العتبة السحرية لكثيرين من الكتاب المعاصرين كى يحبوا المنسى قنديل ذاته ويقبلوا على كتاباته، وكى يقعوا فى غرام «الأغانى» الكبير فيصبح واحدا من الكتب التى لا يفارقونها ويرجعون إليها بين آن وآخر.
محمد المنسى قنديل نموذج راق للمبدع الذى يعى كيف يتعامل مع التراث من داخله، وكيف يهضمه، وكيف يعيد استلهامه وصياغته وفى نفس الوقت يبقى سهلا، معاصرا، وأمينا، هكذا دارت صفحات كتاب «شخصيات حية من الأغانى» حول الكتاب التراثى الأشهر لا لتجتر الحكايات أو تنسخ الروايات أو تنقل المحتوى نقل المسطرة؛ بل لإبداع كتابة جديدة، تتحرى رسم صورة تأثيرية مبتكرة بارعة الألوان والأصوات والحركة للكتاب وللعصر، ويقدم المنسى واحدة من أنضج المحاولات لتناول كتب التراث العربى بمفاهيم ومناهج عصرية، تعدل من موقفنا الجامد من هذا التراث المهمل. كتابة المنسى تعمد إلى التصوير الأدبى المعاصر، بلغة فريدة وأسلوب سلس، لمادة تاريخية وتراثية، هى بطبيعتها جافة وتتأبى على القارئ العادى أو المبتدئ الذى ستجابهه غابات متشابكة الأفرع والغصون، ولولا كتابات المنسى قنديل عن التاريخ والتراث (جمعها فى كتب عدة صدر أهمها عن دار الشروق) لفات أجيال عديدة أن تطلع على كنوز هذا التراث، وأن تقبل على قراءته مستعينة بما كتبه المنسى ومتسلحة بمعرفة أولى تمهد الطريق لمزيد من التعرف والاكتشاف.
غاص المنسى فى أعماق هذه المادة الهائلة، واستخرج من لآلئ الأغانى ودرره ما ليس له مثيل، يبحث عما وراء «الأغانى»، يقدم المنسى قنديل فى الكتاب الممتع الشائق شخصيات مختارة بعناية من موسوعة الأصفهانى، لكنه يقرر إعادة البناء والكتابة والترتيب فـ «يتراجع رجال السلطة قليلا ليتقدم الشعراء، يخفض الفرسان سيوفهم حتى يعلو همس العشاق، يتوقف صليل السيوف حتى يتواصل إيقاع اللحن والغناء، عشاق معذبون يعيشون ما بين حرارة اللقيا ومرارة البين، وعندما يسمعون حداء القوافل يلفظون أنفاسهم الأخيرة».
وما أمتع لحظات التاريخ العربى «الحى»، نعيشها مع المنسى قنديل بقلمه، وما أروع شخصيات «الأغانى» لأبى الفرج الأصفهانى عندما تتجسد حاضرة قائمة مبصرة، تحدثنا وتخبرنا بما لم نعرفه عنها، ونشاهدها وهى موفورة الحياة والطاقة والصخب بقوة الخيال، وننسى الدنيا وما فيها فى خلسات من زمننا التعيس هذا..
وما زالت المكتبة العربية فى حاجة إلى جهود مماثلة، ومحاولات مستمرة للكشف عن كنوز تراثنا العربى القديم.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved