شكاوى الزميل من فرنسا

محمد موسى
محمد موسى

آخر تحديث: الأربعاء 8 يناير 2014 - 8:15 ص بتوقيت القاهرة

عزيزتى القارئة، عزيزى القارئ. لاحظتم بلا شك أن سعر مجلتكم أصبح 3.70 يورو بدلا من 3.50، بما يعنى زيادة قدرها عشرون سنتيما. تسألوننى: لماذا ترفعون السعر فى زمن أزمة؟. وأجيب بكل دقة أن مجلتكم فى حاجة إلى التكيف مع تطورات العالم».

أوليفييه كاربونتييه رئيس تحرير أجمل مجلة عرفتها فى العالم، Ça m,intéresse، كتب قبل أيام هذه الافتتاحية لعدد يناير، يعتذر لقرائه، ويشرح، ويتعهد.

تطورات هذا العالم كما شرحها الزميل من فرنسا هى «تكاليف الطباعة، وتقلب سوق الإعلانات، والضرائب المتصاعدة». يكتب الرجل: أستطيع أن أحصى لكم كل الأسباب «الجيدة» التى تبرر هذه الزيادة المتواضعة فى السعر، غير أننى أفضل استدعاء الحقائق: الإعلام ذو الجودة العالية له ثمنه الذى يرتفع كل يوم. ولكى نضمن أن تحتل مجلتنا أفضل مكانة ممكنة، تلزمنا القروش، فمن بوسعه أن يجادل فى هذه الحقيقة؟.

«القروش» تضغط مهنة الصحافة بالترهيب والإغراء، إلى درجة تجعلنا نفهم بعض ما يجرى الآن فى المشهد الصحفى المصرى. لكن لدينا الأصعب، والأكثر تعقيدا مما يواجه الزميل من فرنسا.

سوق الإعلانات المتقلب فى فرنسا، متوحش فى مصر، لا يتردد فى الضغط على وسائل الإعلام لأهداف غير إعلانية ولا إعلامية، بل سياسية، وللمزيد تابعوا دور شركات الإعلانات فى منع باسم يوسف من الظهور حتى الآن، والتأخير المتعمد فى التحصيل للصحف التى «تؤدى واجبها بفتور».

يشكو الزميل الفرنسى من تقلب السوق، وليس الإيذاء المتعمد.

وقبل ساعات من نهاية العام، سجلت لجنة حماية الصحفيين، ومقرها نيويورك، مقتل ستة صحفيين بسبب عملهم فى مصر خلال 2013.

ولا يشكو الزميل فى فرنسا من الملاحقات والقتل.

والإعلام فى خدمة النظام السياسى منذ تحتمس الأول، كما أن «الإيديولوجيا مهنة البوليس فى الدول القوية، من نظام الرق فى روما، إلى منع الكحول وآفة الأحزاب فى ليبيا الحديثة»، بتعبير محمود درويش.

ولا يشكو الزميل فى فرنسا من ضغوط النظام أو أجهزته السيادية والأمنية.

عناوين الصحف والمواقع، أمس فقط، تؤكد نهاية التعاقد بين الصحفى والمواطن، لكن هناك ولاء مقدسا بينه وبين النظام. لا تنتظر الصحف، حتى المستقلة والمعارضة، وصول الفريق أول عبدالفتاح السيسى إلى الحكم لتؤيده أو تنافقه، فالوصلة بدأت قبل أن يعلن الرجل موقفه رسميا.

التكليف الشعبى للسيسى رئيسا بدأ منذ 26 يوليو الماضى، ملايين المصريين: لن نغادر محيط وزارة الدفاع حتى يستجيب لمطلبنا بالترشح للرئاسة، و27 محافظة قالت كلمتها: تفويض الفريق السيسى جاهز، مانشيت رقم واحد.

«إذا وافق الفريق على الترشح سيقبل منه الشعب ما لا يقبله من حاكم آخر». مانشيت آخر، والتكملة فى صفحة 5: السيسى مرشح القوى المدنية (آه والله) فى مصر، والشعب يعلق الآمال على البطل المنقذ.

الشاطر خطط لإنشاء حرس ثورى بمصر، وكلية للدفاع الوطنى تضم 50 ألف جهادى. غليان فى الشارع المصرى بعد بيان الدوحة الوقح.

ولا يشكو الزميل الفرنسى من غياب المعلومات واختلاق الأوهام، ولا من موجات التوجيه المعنوى والسياسى للجموع البائسة.

أعرف مثله أن «للإعلام الجيد ثمنه»، والثمن فى فرنسا بعض القروش، لكنه فى مصر يتجاوز الكرامة والخطوط الحمراء، ليصل إلى لقمة العيش، وربما إلى حياة الصحفى، فمن بوسعه أن يجادل فى هذه الحقيقة؟.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2019 ShoroukNews. All rights reserved