إتاوة تعديل النشاط!

مدحت نافع
مدحت نافع

آخر تحديث: الإثنين 8 يناير 2018 - 10:10 م بتوقيت القاهرة

حينما قلت مرارا إن أزمة الاستثمار فى مصر أكبر من تشريع خاص بحوافز الاستثمار، وأكبر كثيرا من جهود وزارة واحدة تريد أن تترك بصمات لها على الأرض، أشرت إلى التعقيدات البيروقراطية، والتعليمات الإدارية التى اكتسبت بمرور الزمن قوة القانون فى ضمير الموظف الصغير. قالها أحد الوزراء السابقين فى حوار عام، قال ما مفاده إن الموظف الصغير كان يخيفه من اتخاذ القرارات، ويصنع ما بات يعرف بسياسة الأيادى المرتعشة. لكن واقع الأمر أن هذا الموظف ما هو إلا ضحية ميراث كبير من القرارات الفوقية المتضاربة عبر الزمن.

غابة من التشريعات المتداخلة التى ينبغى على كل مستثمر أن يقتحمها كلما أراد أن يتعاقد مع الدولة، وغابة أخرى إذا أراد أن ينتفع بأملاكه الخاصة من أجل استغلالها بصورة منتجة! وقد مل بعض الناس تكرارى الدعوة إلى زيادة الإنتاج كعلاج وحيد مستدام للتضخم وأزمات سعر الصرف وعجز الموازنة وميزان التجارة. وما السبيل إلى الإنتاج إلا بعناصره التى تعلمناها فى الجامعة؟! ها هو عنصر العمل يحتاج إلى تأهيل وتعليم، وكثيرا ما يشكل عبئا على الاستثمار حتى إن التشريعات الجديدة المحفزة للاستثمار الأجنبى باتت تسهل جلب عمالة من الخارج فى حدود معينة. وها هو رأس المال يهلكه الزمن فى قديم مصانعنا، ويفتقر إلى التمويل فى جديدها. أما المعرفة والتنظيم فهما دالة فى نظامى التعليم والإدارة، وكلاهما يحتاج إلى صبر طويل على الإصلاح.. لا يبقى إذن سوى عنصر الأرض، التى كثيرا ما يساء استغلالها لتصبح مرتعا لسماسرة تسقيع الأراضى، وتنفخ فى فقاعة العقارات محولة الاقتصاد القومى إلى اقتصاد ريعى بامتياز. على الدولة أن تساعد بتشريعاتها وأنظمتها ومؤسساتها على حسن استغلال الأراضى، لا أن ترى بعض المحافظات فى رواجها فرصة لفرض إتاوات على كل من أراد إحياء أرضه واستخدامها! 

بعض المحافظين يفرضون إتاوات على تغيير النشاط لقطع أراضٍ «مملوكة» و«مسجلة» لأصحابها من الأفراد والشركات، إن هم أرادوا تعديل نشاطها ليلائم المخطط العمرانى للمنطقة الذى هو مفروض عليهم من الدولة، بحجة أنهم ينتفعون بتغيير الغرض بفارق تقييم للأرض! لا أعرف ضريبة تفرض على إيراد مجازى غير محقق، ولا أعرف رسما بغير نص قانونى، ولا أفهم هذا النوع من الإتاوات الذى يعود بالسلب على حصيلة وزارة المالية من ضرائب الأنشطة التى سوف تنتفع بالأرض الميتة لو أحياها مالكها بترخيص من المحافظة.

أنا مع الدولة فى استيداء مستحقاتها من الضرائب والرسوم، ومع مؤسساتها فى ضرورة عدم الترخص فى حق الدولة أو التهاون فى تفعيل القانون وجعله نافذا. لكن من الإتاوات ما فيه مخالفة لصحيح القانون، ومنها ما يعود بإيرادات محدودة على وحدات للحكم المحلى فى الأجل القصير، فى حين تضيع فرص بديلة لا يمكن حصرها، إذا ما عملت الدولة ــ بأياديها الخفية ــ على تشجيع استخدام الأراضى بما يحقق أهداف التخطيط العام، والتى تحقق بدورها أهداف التنمية الاقتصادية الشاملة والمستدامة. يكون التشجيع بتخفيض تكاليف استثمار الأرض وإعادة إحيائها، وهو ما يمنح فرصا لتشغيل العمالة، وزيادة الإنتاج، وحل أزمات سكانية عضال، وهو يعود فى النهاية على الدولة بوفورات كبيرة، وبإيرادات مباشرة من حصيلة ضريبية وجمركية أكبر كثيرا من الإتاوة غير القانونية.

***

البعض يخلط عمدا بين مقابل تغيير أو تعديل النشاط الذى عجزت أن أجد له مسوغا قانونيا، وبين مقابل التحسين الذى نص عليه قانون قديم هو القانون 222 لسنة 1955 والذى ينظم مقابل التحسين للمنفعة العامة. السبب فى هذا الخلط ربما يأتى من قانون آخر هو قانون البناء الصادر برقم 119 لسنة 2009، وتحديدا بسبب مادة 74 فى لائحته التنفيذية التى أحالت إلى ذلك القانون القديم عملية تقدير مقابل تغيير الغرض من الاستخدام العقارى! الأزمة تتعاظم حينما نعرف أن مقابل التحسين فى القانون 222 يصل إلى 50% من قيمة الفرق بين العقار قبل أن يطرأ عليه التحسين وبعد أن يطرأ، لكن بالطبع مع وجود قنوات للطعن، وحدود قصوى للعمق الذى ناله الانتفاع من التحسين. 

وللتبسيط على القارئ غير المتخصص فالقانون المشار إليه ينظم فى الأساس المقابل المستحق لصاحب العقار الذى ينتزع لغرض المنفعة العامة (مد خطوط سكة حديد مثلا) كما ينظم عملية تقدير المقابل الذى تحصل عليه الدولة لدى قيامها بمشروع يحقق نفعا عاما (مثل شق الترع مثلا) وينتفع منه على وجه خاص مجموعة من العقارات المملوكة ملكية خاصة. وبعيدا عن كون هذا الشق من القانون قد بات غير مفعل لسنوات طوال، وأن تفعيله على نحو غير منضبط يجعل معظم العقارات فى المدن مدينة للدولة بأموال طائلة! فلا وجه للمقارنة بين نفع خاص يمكن أن يتحقق (على نحو تقديرى بحت) لمالك قطعة أرض إذا حصل على ترخيص بتغيير نشاط الأرض من تجارى إلى سكنى مثلا، وبين تحسين طال قطعة أرضه بسبب قيام الدولة بالإنفاق على مشروعات مهمة تحقق نفعا عاما وقد أصاب قطعة أرضه نفع كبير من تلك المشروعات، ومن ثم حق للدولة أن تحصل منه على مساهمة فى تكاليف (أنفقتها بالفعل) على المشروعات! كذلك لا يصح أن نعتبر تعديل النشاط «تحسينا» طال كامل قطعة الأرض وبغير حد أقصى! هذا التوسع فى تفسير نص قانونى «قديم» أمر فى غاية الخطورة، خاصة إذا انتقى متخذ القرار من هذا النص الأجزاء التى تحقق له مصلحته (مثل نسبة الخمسين بالمائة) وأهمل الأجزاء الأخرى التى تقيد النص (مثل الحدود القصوى للقيمة المقدرة والتى لا تزيد عن نصف ما أنفقته الدولة فعليا فى بعض المواضع) فاعتبر أن الإحالة المشار إليها فى اللائحة التنفيذية لقانون البناء إلى القانون 222 تخص النسبة فقط! كذلك لا أفهم أن تكون اللائحة التنفيذية مخالفة للمبدأ الشهير لتدرج القواعد القانونية، كيف تضيف ما لم ينص عليه القانون وهى مجرد قواعد تنفيذية مقيدة به؟! فالقانون لا يضيف نصا دستوريا، واللائحة التنفيذية للقانون لا تضيف نصا قانونيا، ولا تتوسع فيما لم يرد تنظيمه وفقا للقانون. فقانون البناء الموحد الصادر برقم 119 لسنة 2008 وكذلك القانون 222 لسنة 1955 لم يعتبرا تغيير النشاط للعقار كأحد أوجه أنشطة المنفعة العامة! بل وقد ذكر قانون البناء الموحد أنشطة المنفعة العامة على سبيل الحصر، وسمح لمجلس الوزراء أن يضيف أنشطة أخرى، وهو ما لم يحدث بالنسبة لمسألة تعديل نشاط الأرض أو تغيير استخدامها. 

***

أخبرنى أحدهم أن محافظا سابقا قال له إن أردت التقيد بالقانون فلن تدفع تلك الإتاوة المفروضة على تغيير نشاط أرضك، لكن لن تستغل تلك الأرض طالما بقيت أنا محافظا! حتى فتوات الزمن الماضى كانوا يتمتعون بقدر أكبر من المرونة، ويقبلون الوساطة للرفق بأحوال الناس، والمساومة فيما هو مقدر من إتاوة! لا أشك فى وطنية ذلك المحافظ، وأحسبه حريصا كل الحرص على تحصيل أموال الدولة، لكنه يغفل الصورة الكاملة للاقتصاد، ينظر تحت قدميه فيرى المكسب القريب أحق أن يتم تحصيله فورا، ولا بأس إن ضاعت مئات المليارات وعشرات الآلاف من فرص العمل نتيجة هروب المستثمر المطالب بدفع الإتاوة، والمهدد طوال الوقت بوقف استغلال الأرض دون سند من قانون. يخشى المسئول أن يُتهم بالتفريط، فيجنح غير عامد إلى الإفراط. 

أبرز ما ذكرته بهذا المقال يعرفه الكثيرون من أصحاب التخصص فى التعامل مع القوانين المنظمة لاستغلال الأراضى والعقارات، لكن القليلين فقط يدركون أزمة المادة 74 من اللائحة التنفيذية لقانون البناء الموحد، وأقل منهم من يدرك التبعات الاقتصادية السلبية لمقابل تعديل النشاط، إن لم ينظمه القانون بشكل حاسم، مقيدا صلاحيات السلطة التنفيذية المعنية، وموفرا الحصانة القانونية لقرارات تلك السلطة. 

أعرف أن حصيلة ما يتم جمعه تحت مسمى مقابل تعديل النشاط توجه معظمها لدعم إسكان محدودى الدخل، وهذا غرض نبيل لا يبرر فساد الاستدلال ومخالفة القانون، وضياع حصيلة أكبر من إيرادات ووفورات النشاط والقيمة المضافة، من الممكن أن تعود على المجتمع لو حسن استغلال العقارات، تحقيقا للنشاط الذى يجب أن يتضمنه المخطط العام لكل منطقة، والذى ينبغى نشره بجريدة الوقائع المصرية وفقا للقانون.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved