الطغاة بوابة الغزاة

أشرف البربرى
أشرف البربرى

آخر تحديث: الأربعاء 8 يناير 2020 - 8:45 م بتوقيت القاهرة

أحداث الأيام الستة الماضية على امتداد المنطقة العربية، هى النتاج الطبيعى لنظم الحكم فى أغلب البلاد العربية، والتى جعلت مجرد البقاء فى السلطة هو مشروعها القومى وهدفها الأعلى، حتى إذا كان الثمن التنازل عن السيادة الوطنية، وتفكيك مؤسسات الدولة، والارتماء فى أحضان الحماية الأجنبية.
أمريكا أرادت معاقبة إيران على محاصرة أنصارها العراقيين للسفارة الأمريكية فى بغداد فقررت قصف العاصمة العراقية لتقتل الجنرال الإيرانى قاسم سليمانى قائد فيلق القدس التابع للحرس الثورى بطائرة بدون طيار أقلعت من دولة عربية أخرى، وعندما أرادت إيران الرد على العملية الأمريكية قصفت قواعد عسكرية على الأراضى العراقية.
انتهاك السيادة العراقية من جانب الأمريكيين والإيرانيين نتيجة مباشرة لنظم حكم تعاقبت على بلاد الرافدين منذ أوائل القرن العشرين، لم يكن لها هدف سوى البقاء على كرسى الحكم حتى إذا كان الثمن هو الارتماء فى أحضان الحماية الأجنبية، وقتل روح الانتماء الوطنى لدى الشعب من خلال استبعاده من معادلة الحكم وصناعة القرار.
أمس الأول زار الرئيس الروسى فلاديمير بوتين العاصمة السورية دمشق، وبدلا من التوجه إلى قصر الرئاسة السورى لمقابلة نظيره السورى بشار الأسد كما تقضى القواعد المستقرة بين الدول ذات السيادة، ذهب الأسد لمقابلة بوتين فى قاعدة عسكرية روسية على التراب السورى. لم يكن هذا المشهد سوى نتاج طبيعى لنظام حكم الأسد الأب، حافظ، ومن بعده ابنه بشار، الذى جعل من البقاء فى السلطة هدفا استراتيجيا حتى لو كان الثمن غض الطرف عن استمرار الاحتلال الإسرائيلى لهضبة الجولان دون إطلاق رصاصة واحدة على الاحتلال منذ حرب أكتوبر 1973، ثم الارتماء فى أحضان إيران وروسيا، وصولا إلى الاستعانة بالاحتلال الروسى والمرتزقة الشيعة المدعومين إيرانيا لقمع تطلعات الشعب إلى الحرية والديمقراطية والحكم الرشيد، بعد تحول الثورة الشعبية إلى تمرد مسلح استقطب مجموعات دينية إرهابية من كل صوب وحدب.
وما يحدث فى سوريا والعراق، يتكرر فى ليبيا بعد أربعة عقود من حكم العقيد الراحل معمر القذافى الذى كان مشروعه منع قيام مؤسسات دولة حقيقية من جيش وبرلمان وإعلام وحكومة، حتى يضمن انفراده بالبلاد وتوريثها لأبنائه، فكانت النتيجة أن تلاشت الدولة الليبية بمجرد أن ثار الشعب على حكم القذافى، وأصبحت أراضى ليبيا وثرواتها مستباحة أمام الأتراك الذين قرروا نقل نزاعهم على ثروات الغاز الطبيعى فى البحر المتوسط مع جيرانهم اليونانيين والقبارصة، إلى الساحة الليبية التى لا تنقصها عوامل الصراع.
أمام الغطرسة الأمريكية والبلطجة التركية والأطماع الإيرانية والتمدد الروسى، لا يرى أغلب الحكام العرب حلا سوى البحث عن مزيد من الحماية الأجنبية حتى لو كان الثمن انتقاص السيادة الوطنية، والتضحية بالمصالح القومية العليا، وجعل بلادهم ساحات لصراع القوى الإقليمية والدولية الكبرى.
ولا يقول أحد إن العرب الآن أضعف من أن يتصدوا لهذه الأطماع وتلك البلطجة، أو أفقر من أن يبحثوا عن استقلال إرادتهم الوطنية، لأنه فى فترة ثورات وحروب الاستقلال العربية فى العقد الأول من النصف الثانى من القرن العشرين، وعندما كان الرهان على الشعوب هو الأصل حصلت الدول العربية على استقلالها رغم أنف الدول الاستعمارية. ولكن للأسف جاء الاستقلال وجاء معه حكام لا يفكرون إلا فى عروشهم، فاستبعدوا الشعوب من معادلة الحكم وصناعة القرار، واتجهوا إلى الخارج للبحث عن الحماية وتثبيت العروش.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved