مؤامرة تقسيم مصر

أحمد عبدربه
أحمد عبدربه

آخر تحديث: الأحد 8 فبراير 2015 - 8:05 ص بتوقيت القاهرة

هل حقا تتعرض مصر لمؤامرة لتقسيم أراضيها وتقطيع أوصالها؟ لا أملك إجابة يقينية، لكنى أملك إجابة ظنية وأقول قد يكون هذا صحيحا.. قد يكون هذا صحيحا لأنه فى التاريخ الحديث لمنطقة الشرق الأوسط حدثت محاولات التقسيم والتفتيت بالفعل، انقسمت العراق وتَفَتَّتَتْ سوريا وراحت لييبا وانفصل الشطر الجنوبى من السودان، ومازالت دول أخرى مثل لبنان واليمن على المحك فضلا عن فلسطين المحتلة بالقطع.

قد يكون هذا صحيحا لأنه فى تاريخ العلاقات الدولية كان ولايزال صحيحا سواء قبل أو فى أثناء أو حتى بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية. وقد يكون هذا صحيحا أيضا لأن مصر بالفعل مضغوطة ومستنزفة على عدة جبهات للصراع أو الفوضى أو كلاهما معا. فعلى الحدود الشرقية تأتى سيناء الحبيبة التى أصبحت تدمى قلوبنا بالأعمال الإرهابية المحترفة التى تستهدف الجيش تحديدا. وفى الجنوب تعانى مصر من جار ضعفت حكومته المركزية وأصبح مصدر تهديد للأمن القومى على أطر متباينة. أما فى الغرب فحدِّث ولا حرج، فليبيا المنهارة تحولت إلى مسرح مفتوح للإرهابيين وتهريب السلاح إلى مصر فضلا عن أن التقارير الحديثة تشير إلى أنها أصبحت معقل تدريب وتوريد مقاتلى داعش، هذا ــ قطعا ــ فضلا عن انتشار وتوسع الأخيرة والتهديد الرهيب الذى أضحت تشكله فى المنطقة.

هناك أيضا مؤشرات داخلية لهذا التهديد فالصراعات الاجتماعية والاستقطابات السياسية تضغط بشدة على الدولة، وأنا هنا أعنى الدولة وليس النظام، فكمية الانقسامات والتهديدات والاحترابات الأهلية أصبحت فى مستويات عالية مصحوبة بمساحات متزايدة من عدم الثقة بين قطاعات شعبية تتزايد، وبين النظام السياسى الذى يحكم البلد. هذا ــ قطعا ــ فضلا عن تحولات ثقافية واجتماعية وخصوصا لدى جمهور الشباب بفعل أربع سنوات من الحراك الثورى والعنف السياسى المستمر.

•••

هذا إذا معناه أن مصر الدولة تواجه مؤشرات حقيقية تنذر بكوارث أمنية ومجتمعية قد يكون من ضمنها أن تتعرض للانقسام، صحيح أن هذا السيناريو يظل بعيدا، أو هكذا نتمنى، ولكنه ليس أبدا بمستحيل مادامت المعطيات الحالية للمعادلة السياسية مستمرة بلا تغيير. هنا نكون أمام سؤالين، الأول من وراء هذه المؤامرة حال وجودها؟ والثانى كيف يمكن المواجهة المبكرة لهذه الاحتمالات دون أن نغرق فى الكلام التقليدى عن اللحمة الوطنية والنسيج الوطنى والوحدة الوطنية؟ ذلك أن الناظر لأحوال مصر فى الثمانينيات مثلا لم يكن أبدا ليتخيل هذا السيناريو الكابوس الذى نعيش فيه الآن، فمن يدرى ماذا يحدث غدا؟

هناك طريقتان للإجابة عن السؤال الأول، الأولى يتبعها بعض الإعلامين والجهابذة من المحللين السياسيين والاستراتيجيين وذلك عن طريق «رص» مجموعة من الدول الأعداء واعتبارهم وراء المؤامرة دون توافر دليل واحد على ذلك، والثانية إجابة علمية منهجية تقارب وتقارن وتبحث عن أصل المعلومات وهى تقودنا باختصار إلى نتيجة واحدة وهى أنه رغم المؤشرات الجلية على وضع مصر المأزوم، ورغم حقيقة استنزاف الجيش المصرى على أصعدة عدة داخلية وإقليمية، إلا أنه لا يتوافر دليل واحد يجعلنا نوجه الاتهام إلى دولة بعينها فكل الدول التى تم اتهامها تقيم مصر معها علاقات مكتملة بل زار إحداها الرئيس المصرى الحالى مبرما صفقة سلاح معها ولا أعتقد أنه لو كان يشك للحظة فيها ما كان قد أقدم على هذه الخطوة.

هنا نتحول إلى السؤال الثانى وهو الأهم: طالما أننا لسنا على يقين من هوية الفاعلين السياسيين، سواء من الدول أو من غير الدول، الذين يقفون وراء ذلك الاستنزاف والاستهداف، فيكون السؤال: إذا ماذا عسانا أن نفعل؟

هناك إجابات متعددة تم رصدها خلال الفترة الماضية قدمها كثيرون وخصوصا من المحسوبين على النظام من المفكرين والكتاب، منها إجابة تقول إن الحل يكمن فى إعلان حالة الحرب، فعلى الرئيس أن يخلع بذلته المدنية ويعود إلى العسكرية لأنه لا مجال للدلع والشياكة والمدنية فى الأوضاع الحالية. وهناك إجابة ثانية تريد ضرب عصفورين بحجر واحد، فتحاول تصفية الحسابات الداخلية مع جماعات الإسلام السياسى على هامش محاربة الإرهاب. وهكذا تحت غطاء الحرب على الإرهاب نتخلص من أعدائنا الإسلاميين دفعة واحدة بغض النظر عن تورطهم فى تلك الأحداث أو حتى درجة هذا التورط. ثم قطعا هناك إجابة «كن فاشيا يا ريس» التى تحرض السيسى على التخلص من كل معارض إسلامى أو غير إسلامى. وغيرها من الإجابات التى تريدها حربا مستعرة دون تقدير أنهم يحرقون بأيديهم وبأقلامهم وبأفكارهم مصر التى يدّعون دوما البكاء عليها.

لماذا لم يفكر أحد من هؤلاء فى أن الإجابة هى على العكس تماما تتمثل فى سياسات الإصلاح والتهدئة والاستيعاب والدمج؟ لماذا لم يفكر أحدا فى أن الإجابة هى إرساء منظومة العدالة والديموقراطية والحرية وإيقاف الظلم البيّن الذى تتعرض له قطاعات واسعة من المواطنين؟ لماذا لا يفكر أحدا أن إعادة بناء وتماسك الجبهة الداخلية هى السبيل الوحيد لإيقاف هذا النزيف الذى قد يتحول لا قدر الله إلى ما يشبه التقسيم؟

•••

فى تقديرى هناك خمسة إجراءات عاجلة تحتاجها مصر فورا لمنع هذا النزيف وذلك الاستنزاف بغض النظر عن طبيعة الفاعلين الواقفين وراءها والداعمين لها. أولها يتمثل فى إصلاح فورى لمنظومة العدالة وانقاذ القضاء من الفخ المنصوب له حتى لا يتحول إلى خصم سياسى للشارع وهو خطر داهم لمن يفهم ويعى. إصلاح يحاسب مؤسسات العدالة ويصحح مسارها ويجوِّد أداءها. إصلاح يبحث فى إجراءات غير اعتيادية للإفراج عن آلاف الشباب المحبوس ظلما وفتح صفحة جديدة معه والتوقف عن استعدائه وتصفية الحسابات معه. يشمل هذا الإصلاح، وفورا، تصحيح مسار وأداء الجهاز الشرطى والأهم قطعا تفعيل دور وزارة العدالة الانتقالية التى أظن أن وزيرها لم يعد يتذكر المهمة الرئيسية التى جاء من أجلها.

ثانيا: لابد وفورا من التأكيد على دعم الجيش فى كل مهامه الوطنية للزود عن الوطن فى مقابل ضرورة إعادة المؤسسة العسكرية لتقييم خططها فى سيناء والبحث عن سبل حقيقية لاحتواء الأهالى هناك. الخوف كل الخوف هو أن يكون مع كل عملية إرهابية تنفذ رد فعل لا يواجه فقط الإرهابيين ولكنه يعرض الأهالى هناك لأذى يحولهم لاحقا إلى داعمين لهذا الإرهاب، وهنا تكون الكارثة مجسدة أمام الأعين.

ثالثا: لابد وفورا من إيقاف تلك الأصوات الفاشية الموجودة فى الأبواق الإعلامية أو على الأقل محاسبتها على ما تكتب. هؤلاء يحرقون الوطن، هؤلاء يشعلون النار ويبثون الكراهية ويورطون الجيش فى مواجهات مع الشعب، يدعون للفاشية والنازية، لا يعرفون سوى دعاوى بث الكراهية والعداء بين الناس فمن يوقفهم؟

رابعا: من الضرورى وفورا إيقاف شيطنة الإسلاميين فى مصر والتعامل معهم كمواطنين مكتملى الأهلية ماداموا لم يتورطوا فى أعمال غير قانونية. ومن يرتكب منهم ما يستوجب عقابه، فلابد أن يكون العقاب هو ما يتعرض له أى مواطن فى موقف مشابه، تطبيق إجراءات العدالة فى الاتهام والضبط والإحضار والتحقيق بدلا من سياسة العقاب الجماعى العشوائى التى تعاملهم كمواطنين من الدرجة الثانية وهى السياسة التى تحولهم بالفعل إلى مشاريع إرهابية جاهزة للانفجار فى وجه البلاد والعباد. وأخيرا: فلابد فورا من تصحيح كل القوانين التى تحمل شبهة عدم الدستورية، مع إعادة فتح وقراءة ما ورد فى الدستور الذى تم تحنيطه لمدة عام كامل. لابد من تفعيل أبواب الحريات والحقوق، لابد من تأكيد قيم المواطنة، لابد من إبعاد المؤسسات الدينية عن لعبة السياسة، فضلا، قطعا، عن دفع الجيش وجنرالاته بعيدا عن حلبة الصراعات السياسية حتى يحافظوا على وحدتهم وتماسكهم ويتفرغوا لأدوارهم المهمة فى حماية الوطن.

نعم هناك مؤشرات على استنزاف مصر على طريق سوريا والعراق، ولكن حتى لا نكون مثلهما ونتجنب مصيرهما، فلابد من تجنب إعادة إنتاج سياسات صدام وبشار، والغريب أننا نستنسخ سياسات كل منهما ومازلنا نعتقد أن مصير مختلف سيكون فى انتظارنا. نحن لا نعلم أعداءنا المحتملين فى الخارج، لكننا حتما نعلم من هم فى الداخل بكل أسف.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved