شجرة الجنة

داليا شمس
داليا شمس

آخر تحديث: السبت 8 مايو 2021 - 7:20 م بتوقيت القاهرة

ظل الأولاد حتى المساء يحرسون شجرة المانجو، لم يفارقوها إلا عندما بدأت تطاردهم صيحات الأمهات. محظوظ من كبر فى ظل شجرة كهذه، تبدو دوما فى عينى وكأنها شجرة الجنة والغواية بثمارها الملساء التى اقتبست تدرجات ألوانها من الشمس. هى ضمن الكائنات التى تبدأ حكايتها بكان يا ما كان فى قديم الزمان، لأن تاريخها يرجع إلى الهند قبل أربعة آلاف سنة، إذ كان يجلس بوذا تحتها ليتأمل ويحقق معجزاته. انتشرت على يد البرتغاليين حين استعمروا الهند وحرفوا اسمها بلغة التامول «mankay» وصار يعرف فى أوروبا وأمريكا بالمانجة، وفى القرن السادس عشر دخلت «ثمرة الحب» كما يطلقون عليها إلى أفريقيا ثم أمريكا الوسطى والجنوبية.
عندما تحب شجرة كالمانجو يصبح مصيرك كصياد القصص، تحاول أن تعرف أصلها وفصلها، ولا تكتفى فقط بالاستمتاع بأكلها بشغف الفنان الراحل فؤاد المهندس حين يروى كيف كان يلتهمها وحده ويتفادى أن يراه أحد كمن يأتى بفعل حميمى. تلهو حولها مثل هؤلاء الصبية ولا تعرف من منكما يحرس الآخر. وحين تحب تكون الكتابة عما تحب مهمة شاقة، لكن عندما تشعر أن ما تحب ربما مهدد بالانقراض لمرض أصابه أو لخطر ألمَّ به يشجعك ذلك.
***
انغمست فى تتبع الروايات المختلفة لدخول المانجو إلى مصر فى القرن التاسع عشر وعلى الأغلب كان على يد إبراهيم باشا، فى عهد والده محمد على، فقد زرعها فى قنا وحدائق قصره بجزيرة الروضة بعد أن جاء بها معاونوه من الهند، مثلما أتوا بالجوافة من اليابان واليوسفى والبطاطا والبطاطس وغيرها من الزراعات. وفى سياق آخر تحدث البعض عن دور أحمد عرابى وصديقه أحمد باشا المنشاوى فى نشر المانجو بمصر وتنوع أصنافها. خلال سنوات نفيه فى جزيرة سيلان أو سرنديب كما أسماها العرب قديما أعجب عرابى بالمانجة التى تذوقها هناك وأرسل بذورها إلى صديقه لزراعتها، إذ كان هذا الأخير من كبار ملاك الأراضى فى محافظة الغربية. وقيل أيضا ضمن ما قيل إن عرابى اصطحب معه شجرة مانجو لدى عودته من منفاه عام 1903 وأهداها لصاحبه الذى كان له مكانة وطنية وسياسية بارزة، إضافة إلى تمتعه بعبقرية زراعية واقتصادية فذة، إذ كان يملك أكثر من عشرة آلاف فدان وقُدرت ثروته وقتها بمليونى جنيه.
حكاية تأخذنا إلى أخرى، بفضل المانجو اكتشفت تفاصيل أكثر عن شخصية المنشاوى باشا الذى أدخل التطعيم فى الزراعة واستصلح الأراضى واهتم بتحسين نظم الرى وكان من مؤسسى أول مجلس نيابى فى مصر وله العديد من المواقف السياسية الشجاعة والأعمال الخيرية والوقفيات. أتخيل حدائق المانجو الشاسعة التى زرعها بالغربية، أترحم عليه وأتوقف عند عائلات أخرى ارتبط اسمها بثمار المانجو مثل تيمور وعويس.. أشخاص أدخلوا أصنافا خلدت ذكراهم، ضمن أشياء أخرى بالطبع، مثل درانيت باشا، وهو من حاشية الخديوى عباس حلمى، الذى اشتهر بتهجين المانجو بمزارعه فى الإسكندرية وأسماها «كوبانية»، أو الفرنسى ألفونس الذى استورد نوعا جديدا وأطلق عليه اسمه، وهو نوع يعرف بالفعل بألفونسو حتى الآن ويزرع فى غرب الهند وباكستان وبنجلاديش، ويعد من أجود الأصناف فى العالم.
من بداية القرن العشرين وحتى ثلاثينياته صار فى مصر حوالى ثلاثين نوعا من المانجة يتخاطفها الأثرياء لمهاداة أحبائهم، أما الآن فقد وصل عددها إلى المائة، وبلغ إجمالى المساحات المزروعة مانجو إلى 289 ألف فدان على مستوى محافظات الجمهورية، فهى تحتل المرتبة الثانية فى المساحة بعد الموالح، ويتم تصديرها إلى الخارج إذ تتميز بنكهة خاصة اكتسبتها من التربة المصرية، فدرجة ملوحة تربة الاسماعيلية مثلا لقربها من قناة السويس أكسب الثمار طعما مختلفا، وهكذا تتسم كل منطقة بخصائص أخرى.
***
أنظر إلى الشجر طوال الطريق فى الاسماعيلية أو دهشور أو غيرهما من أماكن الزراعات وأقول تلك بالطبع بساتين اللذة. رائحتها تتغلغل فى الهواء، يلتمع فوقها قمر شاحب. لم يعد اخضرارها مضيئا وساطعا كما فى السابق. يروى لى أحد أصدقاء العائلة كيف اضطر إلى بيع خمسة أفدنة مزروعة مانجو فى دهشور منذ حوالى العام لأنه تعب من الخسائر التى تسبب فيها مرض العفن الهبابى الذى أصاب الشجر، ففى خلال الخمس سنوات الأخيرة تضرر المزارعون بشدة فى أماكن مختلفة. المحصول لم يعد يفى بالتزاماتهم بعد أن انخفض بدرجة غير مسبوقة بسبب تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة و«تفحم» الأوراق لظهور الحشرات القشرية التى تهاجمها وتتغذى على عصارتها وتخرج إفرازات عسلية تجذب الفطريات وينتج عنها ما يسمى بالعفن الهبابى، وهو مرض من المفترض أن يكون علاجه سهلا برش الزيوت المعدنية أو الصابون البوتاسى ومساعدة وزارة الزراعة، لكن الأزمة استمرت ما أدى إلى اقتلاع أشجار المانجو واستبدالها بمحاصيل أخرى أو بيع الأراضى لتراكم الديون أو فى أحسن الأحوال الميل لزراعة أصناف جديدة واختفاء القديمة التى قد تندثر بمرور الوقت.
فى كثير من البقاع حول العالم، ميراث السنين من الثقافة الفلاحية مهدد اليوم بالموت بسبب غزو النباتات المعدلة جينيا وسلطات الاحتكارات وتوحيد الزراعات، لكننا هنا فى هذه المنطقة بشكل خاص نشعر أننا فى زمن «الكان يا ما كان»، كان يا ما كان كان فى نهر، كان يا ما كان كان فى شجر... وكأن الأرض غاضبة بشكل استثنائى، ونحن لا نترك بابا من أبواب الحمق إلا وطرقناه.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved