الاستعصاء الديمقراطي في السودان

بشير عبد الفتاح
بشير عبد الفتاح

آخر تحديث: الإثنين 8 مايو 2023 - 7:30 م بتوقيت القاهرة

رغم ولوغهما فى دماء بنى جلدتهما؛ لا يتورع طرفا النزاع المسلح فى السودان عن ادعاء وصل بحلم الديمقراطية والحكم المدنى. فمنذ اندلاع المواجهات المسلحة، منتصف الشهر الماضى، بين قطبى المكون العسكرى؛ الفريق أول، عبدالفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة، وقائد الجيش، والحاكم الفعلى للسودان منذ انقلاب 2021، من جهة، ونائبه، قائد قوات الدعم السريع، الفريق أول محمد حمدان دقلو، المعروف باسم «حميدتى»، على الجبهة الأخرى، أبى الطرفان إلا تأكيد تمسكهما بالاتفاق الإطارى، الذى يتضمن خارطة طريق الانتقال إلى الحكم المدنى، ويؤطر لدمج قوات الدعم السريع فى الجيش الوطنى.
عمليا، أخفق البرهان وحميدتى، وأشياعهما، فى اختبار الديمقراطية. فلقد اتهما سويا باقتراف جرائم حرب إبان مصادمات دارفور وكردفان، وتورطا فى قمع انتفاضات الجماهير ضد نظام البشير عام 2019. وبدم بارد، انخرطا فى الفض الوحشى لاعتصامات الخرطوم. واتهمت قواتهما باقتراف جرائم القتل والسحل، التى وقعت وقتذاك. وعقب الإطاحة بالبشير فى أبريل من ذات العام، انضوى الطرفان تحت لواء المكون العسكرى، الذى تقاسم السلطة مع القوى السياسية المدنية. لكن الجنرالين ما لبثا أن انقلبا على شريكهما المدنى، وأعادا هيمنة العسكريين على الحكم. فما إن تم تشكيل مجلس عسكرى، بقيادة البرهان، للإشراف على الانتقال الديمقراطى فى البلاد، حتى شاركه حميدتى، عبدالله حمدوك توطئة لتشكيل مجلس سيادى برئاسة البرهان. ضاربين عرض الحائط بالاحتجاجات الشعبية الرافضة لإعاددة إنتاج الحكم العسكرى، والتظاهرات المطالبة بمواصلة مسيرة التحول الديمقراطى فى البلاد. وفى تعاطيها مع الحراك الجماهيرى الغاضب، اجترحت قوات الدعم السريع أعمال قمع عنيفة حيال المتظاهرين السلميين الرافضين للانقلاب على الثورة؛ ما أسفر عن مقتل المئات وإصابة الآلاف. ولم يكتفِ الانقلابيون بذلك، وإنما شرعوا فى اعتقال الأعضاء المدنيين بمجلسى السيادة والوزراء. ولم يرعو البرهان عن إعادة جماعة، البشير، إلى مواقعهم، التى أقصاهم عنها الحراك الجماهيرى.
خلافا للبرهان، أثبت، حميدتى، مهارة فائقة فى الحرب الدعائية. إذ تفنن، منذ إطلاق الرصاصة الأولى، فى توجيه الرسائل السياسية للداخل والخارج. حيث زعم وادعى أن عملياته العسكرية ضد البرهان، والتى جاءت ردا على اعتداءات الأخير، حسب زعمه، إنما هى حرب عادلة ونبيلة؛ كونها تبتغى تدشين ثورة جديدة لاستكمال حراك الشباب، وصولا إلى بناء نظام حكم مدنى ديمقراطى. كما سعى إلى تصوير المواجهات، باعتبارها صراع مبادئ بينه كقائد عسكرى وطنى مستنير، يدعم الديمقراطية والحكم المدنى، وبين منافس متمرد، يقود زمرة من الضباط الإسلامويين المتطرفين، لمؤازرة «الكيزان»، أو الدولة العميقة، أو فلول نظام البشير. وفى السياق، توالت تصريحاته تترى، حول التزامه بالاتفاق الإطارى، كخيار وحيد للتسوية السياسية. ومحاولة منه للإيحاء بممارسة النقد الذاتى، أبدى، حميدتى، ندمه على مشاركته فى انقلاب البرهان على حمدوك.
لطالما عزز غياب الديمقراطية من تعاظم دور الجيوش الرديفة أو الموازية فى بلدان العالم الثالث. حيث عمدت بعض الأنظمة المتسلطة، إلى تأسيس تلك الكيانات العسكرية غير النظامية؛ لإنجاح مساعيها الحثيثة لتأبيد بقائها فى السلطة، وقمع المعارضين، ودحر المتمردين. غير أنه يصعب تبرئة ساحة القوى السياسية المدنية السودانية من إعاقة مسيرة التحول الديمقراطى. فعلى وقع تفاقم وتيرة الصراع فيما بينها على السلطة، منذ الاستقلال عام 1956، مارست هوايتها المفضلة، المتمثلة فى الاستقواء بالعسكريين، متوسلة تعظيم النفوذ، وحسم المنافسات؛ وإن أفضى ذلك إلى تكريس الدور السياسى للجيش. فمرارا، تورطت أحزاب سياسية عتيدة فى الانقلابات العسكرية المتوالية التى عصفت بالسودان منذ عام 1958. ومن جانبها، دشنت تيارات الإسلام السياسى تحالفات مع الجيش النظامى؛ تسنى لها، على إثره، حكم البلاد منذ انقلاب عام 1989 حتى 2019. بدورها، أنشأت اللجنة المركزية لقوى الحرية والتغيير «قحت» تحالفا سياسيا وثيقا مع قوات الدعم السريع، التى يعتبرها الإسلاميون عدوهم اللدود، أملا فى منع «الكيزان» ونظام البشير من العودة إلى السلطة. وهو ما ساعد على بلورة الاتفاق الإطارى، فى ديسمبر 2022.
فى سفره، الذى لاحت طبعته الأولى عام 1968، بعنوان «النظام السياسى فى المجتمعات المتغيرة»، يرجع المفكر الأمريكى الشهير، صمويل هنتنجتون، انتشار العنف الداخلى والاحتراب الأهلى فى الدول النامية، إلى تسارع وتيرة التغير الاجتماعى، مصحوبا بظهور فواعل سياسية جديدة؛ مقابل بطء تطور المؤسسات، وتأخر نضج الوسائط السياسية. ومن ثم، يذهب، هنتجتون، إلى أن هشاشة المؤسسات والوسائط السياسية، يمكن أن تغوى ملاك القوة الزجرية الباطشة، باستخدام المجتمع المدنى والحشود الجماهيرية، لتقويض التجارب الديمقراطية الناشئة.
بعد مضى بضعة أيام على اندلاع حرب الجنرالين، وفيما يشبه المحاولة الاستعراضية للتكفيرعن خطاياها السياسية، بحق الوطن ومواطنيه. وتوخيا منها لحجز موقعها على طاولة مفاوضات ما بعد المواجهات العسكرية الحالية بين البرهان وحميدتى. اقترحت أحزاب سياسية، وقوى مدنية، ونقابات عمالية سودانية،على شاكلة «قوى إعلان الحرية والتغيير ــ المجلس المركزى»، و«تجمع المهنيين السودانيين»، و«لجان المقاومة»، تشكيل ما يعرف بـ«الجبهة المدنية لإيقاف الحرب واستعادة الديمقراطية». بيد أنها لم تفلح فى إقناع طرفى القتال بإسكات المدافع.
على مستويين، تجلت الكلفة الباهظة لإعاقة التحول نحو الحكم المدنى الديمقراطى فى السودان. فمحليا، تحقق المثل الإفريقى القائل: «عندما تتصارع الأفيال، يُداس العشب تحت أقدامها». فقد كان الخاسر الأكبر فى حرب قطبى المكون العسكرى، هو الشعب السودانى، الذى تهاوت بنيته التحتية، وتبخرت آماله فى الانتقال السلمى نحو الديمقراطية. عندما أبا الطرفان المتقاتلان، إلا الاحتكام إلى لغة السلاح، طمعا فى السيطرة على زمام الأمور. وقد أثارت عملية الهروب الجماعى لمئات الجنود السودانيين، وتسليمهم أنفسهم للسلطات التشادية، قلقا واسعا فى صفوف الجيش. الذى تدهورت روحه المعنوية، على وقع التعثر الميدانى فى معارك الكر والفر، التى أنهكته واستنزفت طاقاته، إلى حد وضع كفاءته واحترافيته على المحك.
أما على صعيد علاقات السودان الخارجية، فقد أسفرت إطاحة الجيش بحكومة حمدوك المدنية، وما رافق ذلك من تنكيل بالمتظاهرين السلميين، دونما محاسبة المتورطين؛ عن دفع الدول الكبرى نحو مراجعة حساباتها، فيما يتعلق بإعفاء الخرطوم من ديونها الخارجية. كما جمَّدت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى مئات الملايين من الدولارات من المساعدات الإنمائية التى تعهدا بها لدعم المرحلة الانتقالية فى السودان. بدوره، علّق الاتحاد الأفريقى عضوية السودان فى اليوم التالى للانقلاب على حكومة حمدوك. أما عسكريا، فقد عمدت إثيوبيا إلى استغلال النزاع المسلح بين الجيش وقوات الدعم السريع. حيث رصدت مصادر سودانية نشاطا «غير اعتيادى» للقوات الإثيوبية، على تخوم المنطقة المتنازع عليها، بالفشقة، يتضمن أنشطة تسلل وأعمال استطلاع.
من شأن تورط البرهان وحميدتى فى المواجهات المسلحة، أن يجعل الساحتين السياسية والعسكرية بالسودان، تضيق عليهما بما رحبت. ففى حال تمكن أى منهما من انتزاع انتصارعسكرى مستعصى، لن يكون بمقدوره، الاستئثار بقيادة المكون العسكرى، أو انتزاع الحكم. لاسيما بعدما بدأ كل منهما يفقد ظهيره السياسى والشعبى، الذى يمكن أن يبقيه فى صدارة المشهد السياسى. فلقد تمخض صراع الجنرالات حول السلطة والنفوذ والامتيازات، عن تبلور، إجماع شعبى عريض وغير مسبوق، على محورية الدور الوطنى الاحترافى للمؤسسة العسكرية النظامية.
حرى بالجيش السودانى استثمار هذه «اللحظة الوطنية الاستراتيجية التاريخية»، كيما يتجاوب مع التوافق الشعبى والسياسى المتنامى، بشأن ضرورة إعادة صياغة العلاقات المدنية العسكرية. بحيث تُطوى، إلى غير رجعة، صفحات حكم نخب التحالف الوظيفى المقيت ما بين العسكريين وفصائل الإسلام السياسى، بما أعاق مسيرة التطور والتحديث فى البلاد طيلة عقود. وألا يتم السماح بوجود أية كيانات عسكرية أو ميليشياوية رديفة أو موازية للجيش النظامى. على أن يخضع ذلك الأخير، لعملية إعادة هيكلة عصرية، تجعل منه جيشا وطنيا احترافيا، ذا عقيدة عسكرية، وقواعد عمل راسخة. عساه يبرأ من أدران الانجرار إلى غياهب السياسة، ويتسامى عن استقطابات ومطامع الأحزاب والقوى السياسية المدنية.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved