الغباء المُعزَّز جزا بندر الهاجرى
قضايا تكنولوجية
آخر تحديث:
الإثنين 8 يونيو 2026 - 7:35 م
بتوقيت القاهرة
حين أصبح الذكاء الاصطناعى وصيًا على العقول، لم يعد أخطر ما فى عصرنا أن يزداد الذكاء الاصطناعى ذكاءً.. بل أن يزداد الإنسان راحةً فى التخلّى عن عقله.
فى الأزمنة الماضية، كان الجاهل محدود الأثر. يخطئ فيُصحَّح، يجهل فيتعلم، يتحدث فتنكشف ضحالة منطقه سريعًا. أما اليوم، فقد حدث أمر أكثر إثارة للقلق: لقد مُنح الجهل هيئة أنيقة، وصوتًا واثقًا، وقدرة مدهشة على التنكّر فى صورة معرفة.
لم يعد الغبى بحاجة إلى القراءة، ولا المتعجل بحاجة إلى الصبر، ولا السطحى بحاجة إلى التعمق. يكفى أن يفتح هاتفه، يطرح سؤالًا سريعًا، فتخرج له إجابة مصقولة، مرتبة، مفعمة بالثقة، فيظن ــ وربما ببراءة مؤلمة ــ أنه أصبح فجأة مفكرًا، أو محللًا سياسيًا، أو خبيرًا استراتيجيًا، أو ناقدًا اجتماعيًا يقرأ المشهد من أعلى قممه.
المشكلة هنا ليست فى التقنية، بل فى الاستمراء الخطير لفكرة أن أحدًا يمكنه التفكير بدلًا عنك.
لقد استمرأ البعض الاستعارة الذهنية حتى أصاب العقل نوعٌ من التكلّس؛ فلم يعد الإنسان يبحث عن الفهم بقدر ما يبحث عن جواب جاهز يريحه من مشقة السؤال. لم تعد المعرفة رحلة.. بل أصبحت خدمة توصيل سريعة.
وهنا يبدأ الغباء المُعزَّز.
نعم، الغباء المُعزَّز.
لأن ما يحدث ليس ازديادًا طبيعيًا فى الجهل، بل هو استفحالٌ لجهل جديد يرتدى عباءة الذكاء. جهل يتحدث بثقة، يجادل بلا معرفة، يقتبس بلا فهم، ويتحدث بمصطلحات أكبر من تجربته وكأن الثقافة أصبحت مجرد زينة لغوية لا مشروعا ذهنيا.
انظروا إلى بعض الطلبة اليوم.
لم يعد السؤال:
كيف أفهم؟
بل:
كيف أنجح بأقل جهد؟
طالب جامعى يُسلّم بحثًا لا يعرف كيف كُتب، ولا يفهم نصف مصطلحاته، ولو سألته عن فكرة مركزية فيه لتوجّس وارتبك وانكشفت هشاشته المعرفية سريعًا. أصبح بعضهم لا يرى فى التعليم إلا وثيقة تُعلّق على الحائط، لا عقلًا يُبنى ولا شخصية تتشكّل.
لقد تحوّل التعليم عند البعض من مشروع وعى.. إلى امتثال ميكانيكى للنجاح الشكلى.
وهنا المأساة.
لأن الشهادة قد تُعلّق على الجدار، لكن الفهم لا يُعلّق.
أما الموظف، فحدّث ولا حرج.
ذاك الذى لم يعد يريد أن يُتقن عمله، بل أن يُنجزه بأقل احتكاك ممكن مع التفكير. تقرير بلا فهم، تحليل بلا خبرة، خطاب مكتوب بلغة فاخرة بينما صاحبه عاجز عن شرح فكرته الأساسية.
وهنا يصبح الذكاء الاصطناعى عند البعض ليس أداة تطوير.. بل أداة تمويه.
والفرق شاسع بين مَنْ يستخدم التقنية ليصبح أذكى، ومَنْ يستخدمها كى يُخفى ضعفه.
إنه الفرق بين البنّاء الذى يستخدم الأدوات ليُحكم البناء، وبين مَنْ يضع واجهة فاخرة فوق جدار متصدّع.
لكن المشهد الأكثر إثارة للتوجّس هو ما أصاب فضاء «المثقفين الجدد».
ترى أحدهم لم يقرأ كتابًا كاملًا منذ سنوات، ولم يمر بتجربة بحث حقيقية، ولم يعرف عناء التعلّم البطىء، ثم فجأة يحدثك عن الفلسفة، والاقتصاد، وعلم النفس، والجغرافيا السياسية بثقة أقرب إلى الاستعلاء المعرفى منها إلى الفهم.
لقد أصبح بعض الناس لا يكتبون لأن لديهم فكرة.. بل لأن لديهم أداة تستطيع أن تمنحهم شكل الفكرة.
وهنا تتجلّى المفارقة الساخرة:
فى اللحظة التى امتلك فيها الإنسان أعظم أدوات المعرفة فى التاريخ، بدأ بعضه يمارس الارتهان الكامل للأجوبة الجاهزة.
• • •
أشخاص يرددون تحليلات معقّدة لا يفهمون سياقاتها، ويتحدثون عن الحروب والتحوّلات الدولية وكأنهم مهندسو خرائط العالم، بينما لو خرج الحوار عن النص المكتوب.. حدث الانكشاف سريعًا.
لقد انتقلنا من عصر:
«أنا أفكر إذًا أنا موجود»
إلى عصر:
«الآلة فكّرت بدلًا عنى.. إذًا أنا خبير».
والأخطر من كل ذلك، أننا بدأنا نمارس نوعًا خفيًا من التأثيم ضد التفكير الحقيقى.
فمن يدعو إلى القراءة يُقال عنه «معقّد».
ومَنْ يطلب التعمق يُتهم بالمبالغة.
ومَنْ يحث على الفهم يُقابل بالتبرّم وكأن الجهد الذهنى أصبح اعتداءً على الراحة النفسية.
لقد أصبح بعض الناس يريد حكمةً فى ثلاث ثوانٍ، وثقافةً فى دقيقة، وتحليلًا للعالم فى منشور، ثم يتوجّس من كتاب يتجاوز مائة صفحة!
أيّ عبث هذا؟
إننا لا نواجه أزمة تقنية.
بل أزمة إنسان بدأ ــ طوعًا ــ يستقيل من عقله.
مجتمع يمتلك أدوات مذهلة، لكنه يفقد تدريجيًا القدرة على التفكير النقدى، والصبر على التعلّم، واحتمال التعقيد، واحترام المعرفة المتراكمة.
ومتى ما استشرى هذا النمط، فلا تستغربوا أن يكثر الضجيج ويقلّ الفهم، وأن تتكاثر الآراء بينما تندر البصيرة.
فى النهاية...
الخطر الحقيقى ليس أن تصبح الآلة أذكى من الإنسان.
الخطر أن يعتاد الإنسان أن يكون أقل ذكاءً من قدرته.. لأنه وجد مَنْ يفكر بدلًا عنه.
جريدة الرأى الكويتية