المأزق الاقتصادى للمفاوض الإيرانى

بشير عبد الفتاح
بشير عبد الفتاح

آخر تحديث: الإثنين 8 يونيو 2026 - 7:30 م بتوقيت القاهرة

فى خطابه أمام غرفة التجارة بطهران، وسط حشد من رجال الأعمال الإيرانيين، قال الرئيس مسعود بزشكيان: «إن حربنا الأساسية فى المجال الاقتصادى، وإذا فشلتم سيفشل البلد». وبالتزامن، أكدت مشاركة مسئولين اقتصاديين إيرانيين فى المفاوضات تغليب النخبة الحاكمة حاليًا الاعتبارات الاقتصادية على الخطاب الأيديولوجى؛ فضلًا عن انشغال صانع القرار الإيرانى بالضغوط الاقتصادية وأجواء عدم اليقين، أكثر من تأثره بمآلات التطورات الميدانية فى ساحات النزال. خصوصًا مع اتساع دائرة الفقر، وتفاقم الديون، وتراجع القدرة الشرائية، وتنامى أزمة السيولة، وانهيار العملة، وانكماش صادرات النفط، وتجاوز معدل التضخم 58%، ليغدو الأعلى منذ أعنف موجة تضخمية شهدتها البلاد عام 1942. علاوة على تعاظم تكاليف الحرب القابلة للاشتعال مجددًا مع الولايات المتحدة وإسرائيل. فبينما تحتاج عملية إعادة إعمار البلاد ما يناهز 270 مليار دولار، يواجه الاقتصاد القائم على النفط أزمات حادة ناتجة عن سوء الإدارة، والفساد الحكومى، والعقوبات، والتداعيات الموجعة لاستمرار الحصار البحرى الأمريكى.


يوقن القادة الإيرانيون أن الوقت ليس فى مصلحتهم. ومن ثم، يتوسلون اتفاقًا أوليًا يخولهم امتصاص الضغوط، وتجنب تقديم تنازلات لا يمكن الرجوع عنها، مع الإبقاء على المسار التفاوضى دونما اضطرار إلى تغيير المواقف الأساسية. كما يتيح إنهاء الأعمال العدائية على مختلف الجبهات، بما فيها لبنان وغزة، على أن يجنبهم اضطرابات داخلية تتزايد احتمالات اندلاعها فى ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية. وذلك عبر الوصول إلى الأرصدة المجمدة، والحصول على إعفاءات لصادرات النفط الخام، ورفع الحصار البحرى الأمريكى، وتأكيد النفوذ الإيرانى فى مضيق هرمز. مع تأجيل القرارات بشأن القضايا الأكثر حساسية والأشد إثارة للجدل، لا سيما البرنامج النووى. ويبدو أن حسابات حكام إيران الحاليين تفضل التفاهم على السقوط فى دوامة الاستنزاف الاقتصادى وعدم اليقين؛ بما يضعف قدرتهم على الحكم داخليًا وفرض النفوذ إقليميًا. ومن ثم يعكفون على الموازنة بين تحمل الألم الاقتصادى لتحقيق الأهداف العسكرية والجيوسياسية، ومخاطر تجدد الاضطرابات الداخلية جراء استمرار التدهور الاقتصادى، ما لم يتم إبرام اتفاق ينهى الحرب والحصار. أسوة بما جرى عامى 2017 و2018، حينما تسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية فى تفجر موجة تظاهرات سقط فيها أكثر من عشرين شخصًا، فيما اعتُقل المئات. بينما أدى رفع أسعار البنزين إلى احتجاجات قُتل فيها أكثر من 300 شخص. وعلى وقع تدهور قيمة العملة الوطنية، اندلعت فى يناير الماضى احتجاجات أسفرت عن مقتل أكثر من سبعة آلاف شخص.


منذ اغتيال المرشد السابق، يتنازع القرار داخل النظام الإيرانى تياران: أولهما متشدد، يرفض تقديم تنازلات موجعة، مخافة إظهار واشنطن وتل أبيب منتصرتين فى الحرب. أما الآخر فبراجماتى، يسعى إلى تفعيل المسار التفاوضى، لتوقيع مذكرة تفاهم أولية تكفل إنهاء الصراع، وتخفيف العبء الاقتصادى، وتفكيك الضغط العسكرى الأمريكى، وتهيئة الأجواء لإعادة الإعمار. بما يتيح إنقاذ الاقتصاد، وتعزيز قدرة النظام على الصمود، ومنع التآكل التدريجى لقدرات الدولة والحوكمة. وفى هذا السياق، اعترف الرئيس الإيرانى أن بلاده تواجه تحديات ومشكلات متعددة، مشددًا على أن إدارة إيران يجب ألا تبقى محصورة فى دائرة ضيقة من المديرين وصناع القرار.


انطلاقًا من معطيات شتى، ما عاد ترامب، المتطلع إلى اتفاق مع إيران يفوق ذلك الذى أنجزه أوباما عام 2015، دون أن يخاطر بتجاوز حدود كارتر فى أزمة الرهائن الأمريكيين عام 1979، يراهن على المقاربات العسكرية. فلقد بات يعول على الحصار الاقتصادى، والعقوبات القاسية، والخنق المالى للنظام والشركات والأفراد المرتبطين به، لإجباره على تقديم تنازلات. حيث تتفنن الإدارة فى تنويع وتغليظ العقوبات النوعية، بغية تجفيف مصادر الدخل النفطى، وتقويض أسطول الظل والشبكات المصرفية المستترة، ومنع وصول إيران إلى أسواق التجارة العالمية، من خلال استهداف شحنات غاز البترول المسال الشبحية المتجهة إلى آسيا. فمؤخرًا، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات تستهدف أفرادًا ومنصات لتبادل العملات المشفرة والأصول الرقمية، هى: «بيتبين»، و«رمزينكس»، و«والكس»، و«نوبيتكس». وتعد الأخيرة أكبر منصة إيرانية لتداول العملات المشفرة، إذ تمكن الحكومة ومؤسساتها المدرجة على القائمة السوداء من الالتفاف على العقوبات. كونها تشكل الركيزة الأساسية لنظام مالى موازٍ يُستخدم لتنفيذ تعاملات بمئات الملايين من الدولارات لمصلحة البنك المركزى الإيرانى والحرس الثورى. كما واصلت، منذ عام 2018، ورغم قطع الإنترنت، تعاملات بملايين الدولارات للتهرب من العقوبات وتحويل الثروات خارج البلاد. وقدمت دعمًا هائلًا للحكومة الإيرانية، وسهلت سيلًا من التعاملات الرقمية المرتبطة بالحرس الثورى والبنك المركزى. وعقب اندلاع الحرب الأمريكية على إيران، أدت «نوبيتكس» دورًا فى حماية الأصول والأموال، ونقلها خارج إيران، لحماية ثروات النظام. ومن جانبها، تؤكد إدارة ترامب أن أى تخفيف للعقوبات سيكون مشروطًا بالتزام الإيرانيين بما يتم التوصل إليه من تفاهمات، بحيث يأتى مقابل انقضاء السبب الذى من أجله فرضت العقوبات، خصوصًا البرنامج النووى.


تفرض البحرية الأمريكية، منذ 13 أبريل الماضى، حصارًا على الموانئ الإيرانية؛ ما يخنق صادرات النفط، ويقطع خطوط الإمداد التى تعتمد عليها المصانع والمستوردون الإيرانيون. وقد طالت ارتدادات الحصار حياة الإيرانيين اليومية، إذ فاقمت أزمات الوقود والكهرباء والمياه، وقفزت أسعار المواد الغذائية الأساسية إلى مستويات قياسية خلال الأسابيع الأخيرة. ما أدى إلى تعطل تدفقات النفط والتجارة، وحرمان طهران من جل إيراداتها بالعملة الصعبة، لا سيما أن 90% من تجارتها تتم عبر مضيق هرمز. حيث تعتمد بصورة أساسية على صادرات النفط لتأمين الإيرادات الحكومية وتمويل الواردات الأساسية، وسط تراجع حاد فى قدرة الاقتصاد المحلى على مواجهة الصدمات المتلاحقة الناتجة عن الحرب والعقوبات. ولا تتوانى إدارة ترامب فى استثمار الحصار البحرى لدفع إيران نحو اتفاق يعيد فتح مضيق هرمز، مقابل تخفيف الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، تمهيدًا لمفاوضات أوسع لاحقًا تشمل العقوبات والبرنامج النووى. واستبعد ترامب العودة للضربات العسكرية، مرجحًا الإبقاء على الحصار حتى سبتمبر المقبل.


عميقة هى الخبرة الأمريكية فى تجميد الأموال الإيرانية بالخارج. ففى مرحلة ما بعد ثورة عام 1979، صادرت واشنطن أصولًا مرتبطة بالعهد الملكى لدى بنوك أمريكية ودولية، شملت أرصدة مالية، وعقارات، ومؤسسات. وتتمسك الإدارة الأمريكية باستخدام أموال إيران المجمدة، التى تناهز المائة مليار دولار، وتتضمن عائدات مبيعات نفطية واحتياطياتها وأنواعًا مختلفة من الصناديق الخاضعة لعقوبات متنوعة؛ ورقة ضغط محورية لانتزاع تنازلات نووية وسياسية وأمنية تدريجية، ضمن مفاوضات يطغى عليها انعدام الثقة وتضارب الحسابات الاستراتيجية. فلطالما دأب ترامب على انتقاد اتفاق أوباما الذى أفرج بمقتضاه عن 1.7 مليار دولار لمصلحة إيران، رغم أنها تبقى أقل بكثير من 50 مليارًا تحاول إيران اقتناصها فى إطار المفاوضات الحالية. لذا، يصر البيت الأبيض على حرمانها من أية تسويات مالية قبل أن تتخلى عن مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%. وفى حين تتجنب واشنطن تقديم مدفوعات مباشرة لنظامها، تجرى صياغة مقترح يسمح لدول أخرى بالإفراج عن الأرصدة الإيرانية المجمدة، شريطة أن يقتصر استخدامها على الأغراض الإنسانية فقط، بحيث توجه لتوفير الأدوية والغذاء والخدمات الأساسية.


وسط تصاعد الضغوط الاقتصادية، وقسوة العقوبات، وانحسار الإيرادات؛ تعتبر طهران استعادة أموالها المجمدة ضرورة اقتصادية ملحة. لذا، تريد المال أولًا قبل تقديم التنازلات؛ لضمان بقاء النظام وتقليص وطأة الضغوط عليه. حيث تسعى إلى تحويل أية تهدئة سياسية إلى سيولة مالية تدخل حساباتها بشكل مباشر وسريع. إذ طرحت فكرة الدفعات المرحلية لاختبار جدية واشنطن وتثبيت مسار التعليق التدريجى للعقوبات، عبر وضع نصف تلك الأرصدة المجمدة تحت تصرفها فور توقيع مذكرة التفاهم مع واشنطن. فى المقابل، تأبى الأخيرة إلا توظيف تلك الورقة لاقتناص أكبر قدر ممكن من التنازلات الاستراتيجية قبل أى شيء. وتخشى أن يفضى إنهاء تجميد الأموال جملة واحدة إلى إهدار ورقة ضغط ناجزة على النظام الإيرانى.


تتوجس إدارة ترامب خيفة من نهج طهران فى استخدام أموالها المجمدة بعد الإفراج عنها، بحيث يتم توظيف تلك السيولة فى إحياء البرنامجين النووى والصاروخى، أو تمويل الوكلاء الإقليميين. مثلما جرى عقب إبرام اتفاق عام 2015، حينما تم توجيه جانب من الأموال المفرج عنها نحو تلك الأغراض المقلقة. ومن ثم، يصر البيت الأبيض على الإفراج التدريجى والمشروط عن الأرصدة المجمدة، وربط كل دفعة بإجراءات إيرانية محددة؛ سواء فى ملف هرمز، أو التهدئة البحرية، أو التنازلات النووية القابلة للتحقق. ومن ثم، تتعاظم احتمالات إبرام اتفاق أولى مرحلى، يتيح الإفراج التدريجى عن دفعات مالية محدودة ومشروطة، وليس تحريرًا كاملًا لمجمل الأصول دفعة واحدة، مثلما تطالب إيران. كما يتضمن آليات رقابة صارمة أو قنوات تمويل مقيدة، تحت إشراف أمريكى.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved