استجواب فى الوقت الضائع
صفاء عصام الدين
آخر تحديث:
الإثنين 8 يونيو 2026 - 7:30 م
بتوقيت القاهرة
قبل أسابيع قليلة من فض دور الانعقاد الأول لمجلس النواب، عاد الاستجواب البرلمانى للواجهة من جديد، بعدما تقدم النائب أحمد فرغلى باستجواب موجه لرئيس مجلس الوزراء، ووزيرة التضامن الاجتماعى، ورئيس الهيئة القومية للتأمينات والمعاشات، موجهًا اتهامات بإهدار المال العام وتربيح الغير، وسوء الإدارة فى أزمة منظومة التأمينات والمعاشات الرقمية الجديدة.
عطلت المنظومة الجديدة التى جرى تطبيقها منذ فبراير الماضى حصول عشرات الآلاف من المستحقين على معاشاتهم، ولم يحضر اللواء جمال عوض رئيس الهيئة القومية للتأمينات والمعاشات، اجتماع لجنة القوى العاملة الذى يناقش الأزمة وتعطل المنظومة الرقمية الجديدة، وتكرار مد المهلة الزمنية لحل الأزمة حتى أعلن رئيس مجلس الوزراء مهلة جديدة قبل أيام تنتهى فى أغسطس المقبل.
من تحول رقمى لقضية رأى عام
أوضح فرغلى فى الاستجواب أن أزمة منظومة التأمينات الاجتماعية الجديدة CRM التى بدأ تشغيلها اعتبارا من 24 فبراير 2026، تسببت فى تعثر الخدمات التأمينية الأساسية وتعطيل مصالح المواطنين الذين باتوا الطرف الوحيد الذى يتحمل تكلفة هذا الفشل الإدارى والفنى.
يتهم النائب الحكومة بالفشل، مشيرًا إلى إنفاق نحو مليار و400 مليون جنيه من المال العام على هذا المشروع، بالإضافة إلى مبالغ أخرى طائلة لا تزال تُنفق حتى الآن فى محاولات معالجة الأعطال وإصلاح أوجه القصور، إلا أن المنظومة فشلت فى تحقيق مستهدفاتها.
تحولت أزمة التأمينات والمعاشات من مجرد مشروع تقنى إلى قضية رأى عام تمس حياة الآلاف فى ظل عجز المعالجات الحكومية والمهل المتتالية التى منحها رئيس مجلس الوزراء لرئيس الهيئة القومية للتأمينات الاجتماعية ووزيرة التضامن الاجتماعى والجهات القائمة على المشروع دون تحقيق النتائج المعلنة.
ست سنوات بلا استجوابات
يأتى استجواب فرغلى فى اختبار جديد للدور الرقابى لمجلس النواب، إذ مضت ست سنوات كاملة على مناقشة آخر استجواب برلمانى، بينما حفظ المجلس استجوابًا سابقًا قدمه النائب محمد فؤاد رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، فى بداية دور الانعقاد الحالى، موجهًا لوزير البترول، بشأن أزمة الغاز والطاقة فى مصر.
وكشف خبر نشره الزميل محمد الكميلى فى «الشروق»، بتاريخ 21 مايو الماضى، أن الأمين العام لمجلس النواب، المستشار أحمد مناع، أبلغ النائب محمد فؤاد بقرار حفظ الاستجواب، بالتزامن مع انعقاد الجلسة العامة للمجلس فى 4 مايو.
يوضح فؤاد فى تصريحاته لـ«الشروق» أن مبرر حفظ الاستجواب ارتباطه بموضوعات مشابهة يجرى مناقشتها فى لجنة الطاقة والبيئة، وأن هذا الاستجواب يعد مستغرقًا فى عدد من طلبات الإحاطة المنظورة أمام اللجنة، ويجب استيفاء مناقشتها أولًا قبل الاستجواب.
كان استجواب فؤاد يتوقف أمام انخفاض إنتاج الغاز الطبيعى منذ عام 2022، حيث تراجع متوسط الإنتاج اليومى من نحو 6.5 – 7 مليار قدم مكعب إلى قرابة 4 مليارات قدم مكعب بنهاية 2025، كما رصد وجود فجوة متكررة بين المستهدفات الإنتاجية المعلنة ضمن خطط 2025-2026، وما تحقق فعليًا على الأرض، نتيجة إدراج آبار ومشروعات لم تبدأ أعمال الحفر بها، أو لم تثبت جدواها الفنية بعد، بحسب ما ورد فى نص الاستجواب.
وأوضح الاستجواب المحفوظ أن معالجة فجوة الطاقة لم تتم عبر تسريع التعافى الإنتاجى، بل عبر التمويل والاقتراض، حيث حصلت الهيئة العامة للبترول على تمويل خارجى بنحو 1.455 مليار دولار، استُخدم لتغطية فجوات الاستيراد، لا لتمويل توسعات إنتاجية مستدامة. وبذلك تحولت فجوة التخطيط إلى التزام مالى جديد تتحمله الدولة.
لا تبدو قصة استجواب فؤاد استثناءً فى تاريخ المجلس خلال السنوات الأخيرة، بقدر ما تعكس مصيرًا متكررًا للاستجوابات البرلمانية المقدمة من النواب.
مستقبل مناقشة الاستجواب
يأتى استجواب فرغلى الذى يمس قضية رأى عام ليطرح سؤالًا أوسع يتعلق بمصير الاستجوابات داخل مجلس النواب، فالأداة الرقابية الأهم، التى يمنحها الدستور واللائحة الداخلية للمجلس أولوية خاصة باعتبارها أعلى درجات الرقابة البرلمانية، تبدو فى الممارسة العملية بعيدة عن جدول الأعمال الفعلى للمجلس.
خلال السنوات الأخيرة، اعتاد النواب تقديم عشرات الاستجوابات فى ملفات تتعلق بالاقتصاد والطاقة والتعليم والصحة والخدمات، ولم تصل لمرحلة النقاش أو تحديد موعد مناقشة، وتعكس قصة استجواب محمد فؤاد بشأن أزمة الطاقة والغاز جانبًا من هذه الإشكالية. فبدلًا من الوصول إلى جلسة مساءلة سياسية للحكومة، انتهى الأمر بحفظ الاستجواب استنادًا إلى وجود مناقشات مرتبطة بالموضوع داخل لجنة الطاقة والبيئة، رغم أن اللائحة تنظر إلى الاستجواب باعتباره أداة أعلى للرقابة البرلمانية، مستقلة عن الأدوات الأخرى تستهدف المحاسبة السياسية.
تزداد هذه التساؤلات مع اقتراب نهاية دور الانعقاد الحالى، حيث يظهر استجواب فرغلى بشأن أزمة التأمينات فى توقيت ضيق زمنيًا، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن فرص مناقشته قبل فض دور الانعقاد، أو ما إذا كان سيلحق بقائمة الاستجوابات التى لم تر طريقها إلى المناقشة.
كاتبة وصحفية متخصصة فى الشأن السياسى والبرلمانى