أستراليا ..«تحت سطح العالم»

طلعت إسماعيل
طلعت إسماعيل

آخر تحديث: الإثنين 8 يونيو 2026 - 7:15 م بتوقيت القاهرة

 

قليلة هى الكتابات الحديثة التى تتخذ من أدب الرحلات مجالا، فما بالنا لو كانت صاحبة التجربة طبيبة أسنان عاشقة للقراءة، اختارت لأول مؤلفاتها هذا النوع من الكتابة عن مكان هو «آخر الدنيا» إذا جاز التعبير، فهى فى «تحت سطح العالم.. ستون يوما فى أستراليا» تنقل إلينا ما لا نعرفه عن بلد قارة، بروح المستكشف، ولا نقول المغامر، فكل خطوة تخطوها بحذر الإنسان المتأمل والمندهش فى آن واحد.


فى «أرض بعيدة» ذهبت إليها لتبحث، من دون قصد، عن نفسها، فجاء كتابها الأول «تحت سطح العالم.. ستون يوما فى أستراليا»، الصادر عن دار الشروق، ثمرة تجربة إنسانية خاصة بدأت بزيارة عائلية لشقيقها جراح الغدد الصماء الدكتور عمرو لبيب، المقيم فى أستراليا منذ عام 2004، قبل أن تتحول إلى كتاب شائق فى «أدب الرحلات غير التقليدى».


فى الكتاب تلمس وترى عوالم من السحر والجمال، غزلتها الطبيعة من أشعة الشمس وخرير المياه وأصوات الطيور المغردة، وحيوانات ونباتات، وصخور، تحظر القوانين الصارمة المساس بها، فى مقابل بشر من لحم ودم يحترمون ما حباهم الله من خيرات متنوعة وفريدة.


ستون يوما هى مدة رحلة الدكتورة غادة لبيب فى أستراليا، طافت خلالها ما استطاعت إليه سبيلا من أماكن، فى مدينتى بيرث وملبورن، متنقلة بين المكتبات الوطنية والمتاحف والمعارض العامة والخاصة، جنبا إلى جنب الاستمتاع بالحدائق والمتنزهات.. جلست وتعرفت على القوام الرئيس للجالية العربية هناك ولم تغفل التفاعل مع مهاجرين من بلدان أوروبية وأسيوية، وشاركت فى نشاطات ثقافية متنوعة بروح الطالب الشغوف بمعرفة كل جديد.


بلغة بسيطة ورشيقة ، وبعبارات غير متكلفة، تتجول بنا فى مدينة برث، عاصمة ولاية غرب أستراليا، وعلى الرغم من جمالها وهدوئها، تعد من المدن الكبرى المعزولة فى العالم، بحجم سكان يتجاوز المليونى نسمة فى نهاية عام 2024.


تقول المؤلفة إن بيرث أسسها الكابتن جيمس ستيرلينج القائد البحرى الإنجليزى عام 1829 على أرض شعب وادجوك نوجار حيث عاش السكان الأصليون قبل 45 ألف سنة على الأقل، وقد اتخذا اسمها من مدينة إسكتلندية، واكتسبت لقب مدينة عام 1956، ونمت بشكل كبير فى السنوات التالية نتيجة حمى البحث عن الذهب فى أواخر القرن التاسع عشر.


ومن سوق فريماتيل المحلية المقامة على شاطئ المحيط الهندى، حيث تباع الأطعمة ومنتجات الحرف اليدوية، وتقام الأنشطة للكبار والصغار يومى السبت والأحد من كل أسبوع، تنقلنا غادة لبيب إلى لقائها الأول مع الكنغر الحيوان والرمز الوطنى لأستراليا لنتعرف على معلومات جديدة كلية عن هذا الكائن الذى وهبه الله مميزات فريدة فى التناسل وبقاء النوع لا توجد فى أى كائن حى آخر.


الكتاب يحفل بمحطات عدة تستحق القراءة ولا يتسع المجال لتناولها فى هذه المساحة المحدودة، وأفضل ما فيه طرحة للأسئلة والمقارنات مع ما يعيشه البشر فى تلك «الارض البعيدة» وعالمنا الصاخب الملىء بالتحديات والصعوبات خاصة هنا فى مصر، وهو ما كان مادة ثرية للنقاش فى ندوة وحفل توقيع الكتاب الذى نظمته دار الشروق قبل أيام فى مبنى «قنصلية» بوسط القاهرة.


الندوة التى أدارها الطبيب والروائى أسامة الشاذلى حضرها المهندس إبراهيم المعلم رئيس مجلس إدارة مؤسسة الشروق، وأميرة أبو المجد العضو المنتدب لدار الشروق ولفيف من الكتاب والمثقفين كان بينهم السفير والروائى محمد توفيق، والذى أثرى الحوار بمداخلته عن السكان الأصليين لأستراليا التى لا تكف حكومتها اليوم عن تقديم الاعتذار لهؤلاء عما تعرضوا له من قهر واضطهاد على يد المستعمر الأبيض الذى جاء من وراء البحار لنهب ثروات الآخرين.


ومن بين التساؤلات التى أثيرت فى الندوة، كون الكاتبة تحدثت عن زيارتها لمتحف يعرض قطعا أثرية مصرية جاءت إلى أستراليا من بريطانيا: هل الدعوات باسترداد هذه القطع، التى خرجت من مصر فى فترات زمنية سابقة، مطالب مفيدة، أم أن الأفضل بقاء تلك الآثار فى الخارج لتحظى بوسائل عرض لائقة، وتسهم فى التعريف بالحضارة المصرية القديمة؟! القضية شائكة ومجال للاختلاف والتباين فى الآراء.


انتهى النقاش فى «قنصلية» لكن ما يثيره كتاب «تحت سطح العالم» من تأملات وتساؤلات، وما يتركه من سكون وسكينة فى النفس لن ينتهى.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved