بعض دروس حدث عظيم

مصطفى كامل السيد
مصطفى كامل السيد

آخر تحديث: الإثنين 8 يوليه 2013 - 9:47 ص بتوقيت القاهرة

سيقف التاريخ طويلا أمام ما جرى يوم الثلاثين من يونيو 2013 ليتأمل معناه ودروسه، وإذا كانت تلك مهمة سيتولاها المؤرخون، فإن الواجب الأول لمن يهمهم أمر هذا الحدث فى مصر أن يسرعوا باستخلاص النتائج الصحيحة منه، وأن يعكسوها فى إستراتيجياتهم وأعمالهم التى تترجم هذه الإستراتيجيات.

 

المعنى الكامن فى هذا الحدث واضح وجليل. واضح أنه ثورة شعبية ضد ما اصطلح البعض على تسميته بالإسلام السياسى، وهى أول ثورة بهذا الحجم وفى بلد له مكانته فى العالم الإسلامى بل وضد أبرز حركات الإسلام السياسى، والتى لا يتردد كثيرون فى اعتبارها الحركة الأم بالنسبة لكل فصائل هذا التيار.

 

لم تكن ثورة ضد الإسلام، ولكنها ثورة ضد من يدعون أنهم يترجمون الإسلام إلى نظام جامع يشمل أمور السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة والمسلك الشخصى والعلاقات الخارجية، ولم ير المواطنون من كل هذه الادعاءات سوى إطلاق الكثيرين من رجالهم للحاهم وارتداء نسائهم للحجاب أو النقاب مع المبالغة فى مظهريات التدين الشكلى فى الخطاب وفى الفعل، وبخلاف ذلك ولاء مطلق للأهل والعشيرة فى التوظيف فى أجهزة الدولة على كافة المستويات.

 

وكم كان مؤثرا رؤية الحشود الهائلة فى ميدان التحرير تؤدى الصلاة الجماعية بصدق وإخلاص. ثورتهم ليست ضد الإسلام ولكنها ضد المتأسلمين. وقد يجادل البعض حول أعداد المتظاهرين ضد الرئيس السابق محمد مرسى وهل كانت أكثر أو أقل من الذين خرجوا تأييدا له، ولكن يصعب أن يجادل أحد فى أنها كانت حشودا ضخمة عمت كل أنحاء مصر، وأن المشاركين فيها كانوا أكثر تمثيلا لكل فئات الشعب المصرى.

 

هل تكون هناك ولادة جديدة للإسلام السياسى؟

 

لا يجب أن يغض الإخوان المسلمون وفصائل الإسلام السياسى الأخرى نظرهم عن اسباب إخفاقهم وفى مقدمتها أنهم لا يملكون مشروعا عصريا لمجتمعهم، وأنهم على الرغم من الدرجات العلمية الرفيعة التى يتمتع بها قادتهم أوقفوا باب الإجتهاد عند كتابات حسن البنا وسيد قطب بل وتوقف آخرون عند ما جاء فى ميراث قرون مضت عند ابن تيمية وغيره، بل وأهملوا التعلم من تجارب نظرائهم الأكثر نجاحا نسبيا فى تركيا وتونس، والذين كانوا أكثر إخلاصا لميراث دين عظيم كان منفتحا للاستفادة من فكر الآخرين.

 

وبدأ كتابه الخالد بالأمر بالقراءة، واعتبر التفكير فريضة إسلامية. وهكذا فالاختبار الحقيقى للإخوان المسلمين وغيرهم من فصائل الإسلام السياسى أن يفتحوا عقولهم لما يسميه بعض مفكريهم فقه الواقع، وأولى خطوات هذه الاستفاقة على فكر الواقع التسليم بفكرة الدولة الوطنية التى تقوم على المساواة الكاملة أمام القانون لكل من يعيش على أرضها أيا كانت عقائدهم، وأن يكفوا عن صبغ النقاش حول قضايا السياسة والمجتمع بصبغة دينية، فليست أمور المعاملات شأنا دينيا، وليس كل مخالف لآرائهم كافر زنديق، ولا هم يحتكرون الحديث باسم الإسلام بل يجب أن يتوقفوا عن استخدام الشعارات الدينية أداة للتعبئة السياسة والقفز إلى مقاعد السلطة.

 

هل يترك الشباب ساحة السياسة للآخرين؟

 

والدرس الثانى هو ما يجب أن يدركه شباب مصر الذين أصبحو قوة سياسية أولى فى البلاد أكثر من أى وقت مضى فى تاريخ مصر. لا يجب أولا أن يركنوا إلى الاعتقاد بأنهم قد حققوا النصر ببيان الفريق السيسى ليلة الأربعاء الماضى، فلن يستسلم الإخوان المسلمون بسهولة، وهذا ما تجلى بوضوح منذ صبيحة الخميس وخصوصا منذ يوم الجمعة، ولن يعدموا وسيلة إلا وانتهزوها لإعادة عجلة الساعة للوراء.

 

ولذلك فاستمرار التعبئة السياسية للمواطنين المسالمين أمر ضرورى، والتواجد فى الميادين أصبح أكثر إلحاحا الآن دفاعا عن منجزات الموجة الثانية للثورة وتأكيدا على أن ثورة يونيو وراؤها أغلبية طاغية من أبناء الشعب بكافة طوائفه، ومتابعة لجهود ترجمة خارطة المستقبل إلى واقع وفى أقرب وقت ممكن، وإلى جانب ذلك كيفية تحويل هذه القدرة على دعوة المواطنين إلى الميادين إلى اجتذابهم إلى صناديق الاقتراع للتصويت لصالح القوى المدنية. فالخشية أن تضيع منجزات ثورة يونيو فى انتخابات قادمة لأن القوى المدنية لم تستطع أن تجارى المهارات الانتخابية للإخوان المسلمين.

 

امتدادالقوى المدنية خارج دوائر النخبة

 

لا شك أن القوى المدنية كانت تابعا لحركة الشباب وخصوصا حركة تمرد خلال الأسابيع الماضية، بل ربما أنقذت حركة تمرد أحزاب جبهة الإنقاذ الوطنى من حيرتها أمام الأفق المسدود الذى وضعها فيه الرئيس السابق محمد مرسى، فهى لا تقبل الحوار معه لعدم جدواه ولكنها لا تملك سبيلا آخر للتغيير السلمى فى البلاد بسبب خشيتها من منازلة الإخوان المسلمين فى صناديق الانتخاب.

 

لقد وفر الحراك الجماهيرى فرصة هائلة أمام القوى المدنية لكى تمد جذورها وسط المواطنين، منخرطة معهم فى نضالاتهم المستمرة من أجل لقمة عيش كريم ووطن آمن، معبرة عن مشاغلهم، وبارعة فى طرح حلول واقعية لمشاكلهم، ومتواصلة معهم بخطاب ينسجم مع مفردات الثقافة الشعبية الضاربة بجذورها فى تاريخ هذا الوطن.

 

تحول مصر إلى دولة مؤسسات

 

لقد كان واحدا من أهم ما كشفت عنه هذه الثورة المجيدة هو بداية تبلور دولة المؤسسات فى مصر. لقد ظهر بوضوح أن مؤسسات الدولة المصرية تدين بولائها ليس لشخص الحاكم ولكن لشعب مصر وذلك بصرف النظر عمن وضع قادة هذه المؤسسات فى مواقعهم. لم يكن ذلك فقط هو ما كشف عنه أداء القوات المسلحة لواجباتها خلال الشهور الأخيرة، ولكن كان ذلك أيضا مسلك الشرطة والقضاء والأزهر والكنيسة القبطية. هذه هى النواة الحقيقة للديمقراطية، والتى يجب أن يحترمها كل من يصل إلى سدة الحكم فى مصر.

 

•••

 

لو استفدنا من هذه الدروس، لتحولت مصر إلى نموذج للديمقراطية يظل تحت شجرته الوارفة كل العالم العربى.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved