النفط بين وفرة الإمدادات وصدمات الجغرافيا السياسية
قضايا اقتصادية
آخر تحديث:
الأربعاء 8 يوليه 2026 - 8:00 م
بتوقيت القاهرة
نشرت جريدة الشرق الأوسط اللندنية مقالًا للكاتب العراقى وليد خدورى، يوضح فيه أن «صدمات» أسعار النفط وارتفاعها المفاجئ لا يعودان إلى شح حقيقى فى الإنتاج أو الإمدادات النفطية ذاتها، بل إلى الاضطرابات السياسية والعسكرية (مثل أزمة مضيق هرمز) التى تُربك الأسواق وتُثير قلق المستهلكين.. نعرض من المقال ما يلى:
يشرح عميد مؤرخى الطاقة المعاصرة دانيال يرجن فى مقال نشره مؤخرًا فى مجلة «تايم» الأسبوعية ردود الفعل لأسعار النفط عند فترات «الصدمات»، وردود فعل المستهلكين على التغيير اليومى لأسعار النفط، التى تدل فى حالات الصدمات، على القلق والاضطراب، أكثر منه من صحة الاقتصاد الداخلى.
تكمن وجهة نظر يرجن التى يعبّر عنها فى مقاله هذا، فى أن المشكلة التى يعانى منها العالم فى فترات «الصدمات» هذه، هى ليست فعلًا شحًا فى «الإمدادات النفطية» نفسها، بل إن السبب الأساسى يعود إلى «الصدمات» التى تؤدى إلى اضطراب الأسواق، مثل مضيق هرمز فى الحرب الأخيرة. بمعنى، أن الإمدادات النفطية متوفرة، لكنها قد تأخرت أو توقفت لأسباب لا علاقة لها بالصناعة النفطية.
يشير يرجن إلى أن سلعة النفط فى الولايات المتحدة لا مثيل لها. فالبنزين هو أكثر سلعة يتعامل معها المستهلك الأمريكى، كما أن سعر هذا الوقود هو الأكثر «تسييسًا» فى الولايات المتحدة. ويقول يرجن بهذا الصدد إن سعر البنزين هو «السعر الوحيد الذى يواجه الأمريكيين يوميًا بأعداد ضخمة».
إن ردود فعل المستهلك فى هذه الأحوال تنعكس على أسعار الوقود المتغيرة يوميًا والواضحة تمامًا فى محطات البنزين، ومن ثم إمدادات النفط ليست السبب الفعلى للشح الذى يؤدى إلى ارتفاع الأسعار، بمعنى أن الحدث السياسى أو العسكرى هو السبب الذى أدى إلى ما أدى إليه. فالصناعة النفطية تعمل عالميًا لتوفير الإمدادات النفطية اللازمة حسب الأحداث.
شرح يرجن وجهة نظره من خلال مراجعة تاريخية لتطور «صدمات الإمدادات» منذ بدايات القرن العشرين، بالتزامن مع انتشار صناعة السيارات الحديثة. ويرى أن الارتفاع الأخير فى أسعار النفط لم يكن ناجمًا عن نقص فعلى فى الإمدادات، بل عن التطورات المتسارعة التى رافقت إغلاق مضيق هرمز، وما ترتب عليها من اضطراب فى حرية الملاحة وتشويش فى تدفق النفط عبر البحار إلى الأسواق العالمية. ورغم التوصل إلى اتفاق لاستئناف الملاحة فى المضيق، فإن الأسعار لم تنخفض إلا تدريجيًا وبوتيرة محدودة؛ نتيجة استمرار الأسواق فى تسعير المخاطر المرتبطة بعودة حركة النقل إلى طبيعتها.
وحذَّر فى الوقت نفسه من إعادة معدلات مخازن النفط لمستوياتها السابقة؛ نظرًا للاضطرابات التى خلقها «المضيق» والتى أدت بدورها إلى تفريغ النفط من المخازن أكثر من مستواه المتعارف عليه، وإلى الوقت اللازم للعودة إلى برامج ملاحة الناقلات بعد استمرارها متشاطئة شمالًا أو جنوبًا من «المضيق»، هذا ناهيك عن المسح والتدقيق للتأكد من عدم وجود مخاطر متبقية بسبب الألغام السائحة، أو بقايا صلبة طائفة نتيجة الهجمات العسكرية أثناء الحرب الأخيرة.
إن فحوى ما يقوله يرجن هو أن انتهاء الهجمات العسكرية لا يعنى ألبتة العودة حالًا إلى عودة الملاحة إلى طبيعتها؛ فالحذر واليقظة سيسودان لفترة حتى عودة الملاحة إلى طبيعتها. فحذر القباطنة فى قيادتهم للناقلات خلال الفترة المقبلة سيعنى أن أسعار النفط ستبقى لفترة أعلى من مستواها فى العام الماضى. كما، أيضًا، ستؤثر على الأسعار قرارات المستهلكين نتيجة تقليص مسافات سياقة السيارات، أو بشراء أكثر للسيارات الكهربائية والهجينة، وهذا ما يحدث فعليًا فى الولايات المتحدة. ويشير يرجن فى هذا المجال، إلى أن التطورات أعلاه هى ما تؤدى إلى صعوبة إمكانية عزل الولايات المتحدة عن العالم.
وبالنسبة لدور «معركة» «المضيق» خلال الأشهر الماضية، فقد أدت إلى قفزة عالية وسريعة فى الأسعار عند محطات البنزين التى يتردد إليها المستهلك. وقد أدى السعر العالى إلى «مضايقة» المستهلكين الأمريكيين أصحاب السيارات. كما أدت الأسعار العالية إلى «ردود فعل سياسية».
لقد بدأت الأسعار تنخفض تدريجيًا مؤخرًا بسبب الاتفاقات السياسية لمحاولة إنهاء الحرب، ولإعادة فتح «المضيق». لكن، يضيف يرجن، ما سيحدث خلال الأسابيع المقبلة، بالإضافة إلى طريقة وسرعة إبحار الناقلات المحجوزة خلال الأشهر الماضية، سيستمر فى التأثير على الأسعار.