ثلاثية الشقاء والحنين والموت
محمود عبد الشكور
آخر تحديث:
السبت 8 أغسطس 2026 - 6:55 م
بتوقيت القاهرة
مفاجأة سارة ومدهشة أن أقرأ رواية «تشادية» ناضجة كُتبت باللغة العربية، لا تقدّم فقط نماذج إنسانية رسمت معالمها بصورة قوية ومؤثرة تستعصى على النسيان، ولكن الرواية تحمل أيضًا فكرة ممتازة وجسورة، تدين الحرب والفساد، وتحاول أن تستكشف معنى الوطن والانتماء فى ظل ظروف مؤلمة.
الرواية صدرت عن ديوان للنشر بعنوان «ثلاثية أنجمينا»، ومؤلفها روزّى جدّى من أبرز الكتّاب التشاديين الذين يكتبون بالعربية، يقيم فى أنجمينا، عاصمة تشاد، والتى جعلها مسرحًا لمعظم أحداث روايته، ويعمل فى السلك القضائى، وصدرت له من قبل أربع روايات، وكتاب فى أدب الرحلات، وحصدت أعماله عدة جوائز، مثل جائزة غسان كنفانى عن رواية «زمن الملل»، ونال جائزة التميّز الأدبى عن روايته «ارتدادات الذاكرة»، وهى أرفع جائزة تمنحها وزارة الثقافة فى تشاد، وحصد هذا العام (2026) جائزة ابن بطوطة فى أدب الرحلات عن مخطوطته «فوق الأهرامات وتحت القباب: يوميات بين القاهرة وإسطنبول».
الحقيقة أن الجوائز تعترف بالموهبة والقدرة ولا تصنعها، وروزّى يمتلك حقًّا موهبة كبيرة وعميقة، وبراعته فى تلك الرواية تشهد على ذلك، بتلك التفاصيل والشخصيات الكثيرة، التى تصنع ما يشبه الجدارية الكبيرة.
بناء الرواية يعتمد تقسيم الفصول الثلاثة: الشتاء، والصيف، والخريف. المكان بالأساس العاصمة «أنجمينا» بأحيائها وناسها وطقسها وظروفها، والشخصيات مجموعة من الأصدقاء الشباب الذين يحاولون أن يروّضوا أوقاتهم الصعبة المملّة، هؤلاء من المتعلمين، دارسين أو خريجين، ولكن لدينا أيضًا طوفانا من الشخصيات من شتى الأعمار والمهن، وكأننا فى معرض ضخم للبشر، أما الاختبارات اليومية فهى مركّبة ومتعددة الأوجه: بطالة وفقر وجهل ومرض، وغياب للمستقبل فى ظل حروب لا تنتهى، وزمن رتيب وثقيل، ودائرة مفرغة لا تتوقف عن الدوران، بين حنين يعيد الشخصيات إلى جذورها، وبيئة طاردة تجعل حياتهم مستحيلة فى وطنهم البائس.
ذكّرنى بناء الرواية ببناء رواية «زقاق المدق» لنجيب محفوظ، والتى تبدو مثل بورتريهات لشخصيات متنوعة، ولكنها أيضًا رواية عن زمن مضطرب، وظروف صعبة تعصف بأبطال، أبعد ما يكونون عن مفهوم «البطولة»، بل إنها شخصيات «ضد البطولة» تمامًا، وظلال الحرب فى العملين مؤثرة وحاسمة فى مسار الأحداث، وفى النتائج والنهايات.
كل فصل فى «ثلاثية أنجمينا» يحمل اسم شخصية، ثم يتكرر ظهور تلك الأسماء على فصول أخرى، فكأنهم يدورون فى حلقة مغلقة، ولكن السرد بأكمله على لسان شخص واحد منهم اسمه «جنكيز عثمان»، شاب بدين يحاول أن يحصل على شهادة فى القانون، رسب أكثر من مرة، وما زال عاطلًا، عاش حياة قاسية مشردة، ويحاول أن يكتب حكايات أصدقائه، ووقعت فى يده مذكرات متناثرة كتبوها.
جنكيز، باسمه العجيب، هو الشاهد والمتورط، ورغم أنه سيهرب مع صديقه أبكر، المصاب فى الحرب الأهلية، إلى باريس، فإن قلبه وروحه يظلان فى أنجمينا، لا يستطيع أن يعود إليها، ولكنه لا يمكنه أن ينساها، رغم فقرها وبؤسها، مثلما لا يستطيع أن ينسى أنه بدين وأسود، وبلا مستقبل أو هدف.
أبدع روزّى فى وصف الأماكن، منحها حياة نابضة صوتًا وصورةً وحركةً ورائحةً، فكأننا نعيش معه وسط الحارات والشوارع، وكأننا نعيش مأساة الحرب بكل تفاصيلها المرعبة، مثلما أبدع فى رسم معالم شخصياته على لسان جنكيز.
لدينا نماذج مختلفة مثل أبكر بركاى، العائد من فرنسا بعد إصابته بالاكتئاب، أراد الشفاء من حنينه، فدفع الثمن اكتئابًا جديدًا، وإصابات فى حرب عبثية، وإدريس الذى يبدو غير منتمٍ إلا لنفسه، مثقف ومدرّس يحضر الماجستير، ولكنه يبدو ضائعًا بعد أن تركته حبيبته مريومة، وعباس رماد المتعلم فى موسكو، والذى يعمل فى جهاز المخابرات، وسلمى العاهرة الوافدة، وصديقها دمّان مكاوى الناقم على تشاد حتى يغادرها هاربًا وناجيًا بنفسه، ومحمود بركاى السلفى المتشدد، الذى انخرط فى الحرب بين الجنوب والشمال.
حياة فقيرة خالية من الاستقرار، وشخصيات معلّقة فى الفراغ، لا سبيل أمامها سوى الهرب، ولكن بعضهم يُسحقون فى أتون الحرب، وأحدهم ينتحر من نافذة مستشفى فى باريس، وآخرون يهربون إلى السودان أو الكاميرون.
يُفترض أن أهل القرى يحسدون سكان العاصمة أنجمينا، ولكن العاصمة تبدو مثل قرية كبيرة، تكتسحها منازل الطين والصفيح، وكلما اضطربت الأمور السياسية دفعت الثمن، ودارت فى شوارعها حروب دموية، عاصمة منكوبة لا تهدأ ولا تستريح، والشخصيات تترجم حال المدينة، مثلما تحاصر ظروف المدينة الشخصيات، وتحدد مصائرها.
لن نعرف الشخصيات ماضيًا وحاضرًا دفعة واحدة، ولكن عبر أحداث الرواية بأكملها، مدينة الغبار والحر وذكريات الطفولة تمتلئ بأعراق وجنسيات شتى، والحكاية ليست فقط عن جيل الشباب، وإنما أيضًا عن جيل الآباء الذين عاشوا حياة لا تختلف كثيرًا فى صعوبتها عن حياة الشباب، ورغم أن لدينا شخصية عجوز تتغزل فى الماضى، وفى أيام ما بعد الاستقلال، إلا أن الأزمة تبدو عابرة للأجيال، دون حل أو كسر للقيود والأساور.
رغم هذا الخيط الرفيع من الحنين الذى يتسلل إلى الفصول والمواسم، فإن واقعية الكاتب خشنة وصادقة، لا تجمّل ولا تزيّف، ترى الشخصيات كما هى، تنقل أصوات الكراهية والعنصرية، وتكتشف العالم السفلى للفساد وللدعارة، وترصد تشددًا دينيًا سلفيًا، أو وقوعًا فى فخ الدروشة والخرافة، ولكن النص يحمل دومًا تعاطفًا مع المهمشين والفقراء والمنبوذين، ومع الذين يعيشون يومًا بيوم فى ظروف صعبة.
أما فرنسا، المستعمر القديم، فهى ما زالت هناك، فى صورة قاعدة عسكرية، أو مساندة للقصر الجمهورى فى الحرب الأهلية، أو فى هيئة طبيبة تعالج رجلًا تشاديًا بائسًا يطلب العلاج بعد إصابته بالرصاص.
لا تبدو الشعوب فى راحة تحت الاستعمار، ولا بعد الاستقلال، ولا حتى بعد اكتشاف البترول.
ولا يربط أهل البلد إلا ذلك المرض الذى يسمونه الحنين، أو كما قال أبكر بركاى لصديقه جينكيز: «الحنين أنينُ الطفولة». ولعل روايتنا هى ثلاثية الشقاء والحنين والموت دون حسم أو نهاية.