فى سر نجاح العمران البشرى السويسرى

العالم يفكر
العالم يفكر

آخر تحديث: السبت 8 أغسطس 2026 - 7:05 م بتوقيت القاهرة

عندما يتحول كيانٌ من شعب وبلد إلى دولة ومجتمع، يكون قد انتقل من العمران البشرى التقليدى إلى العمران البشرى الحديث. علما أن النقلة النوعية هذه، إما أن تحدث أو لا تحدث، ووعى الناس وإرادتهم بالتغيير هو ما يتحكم بالانتقال من هذه الضفة من التاريخ السياسى - الاجتماعى إلى ضفة يتم استنباتها على نحو مختلف من كل بقعة من بقاع المعمورة عندما يحصل، حيث تكثر الممانعات فى هذا المجال، وقليلة هى مجتمعات الدول التى نجحت موضوعيا فى اجتياز الامتحان الصعب. أما الفائزة بالمرتبة الأولى فهى من دون منازع، جمهورية سويسرا.

بعد أن تقضى وقتا كافيا فى سويسرا وبين السويسريين، سرعان ما يتبين لك أنك فى حضرة مجتمع يجل العمل ويستمتع بإتقانه فى كل مجال من مجالاته. فهو على صغره بلدٌ صناعى وزراعى على السواء، وهو يبرع فى المجالين، ذلك أن الروحية البروتستانتية الكالفينية التى اعتمدها منذ خمسة قرون ونيف باتت جزءا من بوصلته المعرفية. فالعمل فى نظر العامة والخاصة من الناس قيمةٌ تأسيسية للحياة اليومية والعملية على حد ما أشار إليه ماكس فيبر فى كتابه الشهير L'Éthique protestante et l'Esprit du capitalisme (الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية).

يأتى العمل هنا أولا فى مرتبة القيم، حيث يتمتع بجاه اجتماعى وفير، كما هو معهود فى الدول الصناعية كافة التى نشأت على فكرة القيمة الاجتماعية للعمل (la valeur sociale du travail). بيد أن السويسرى يضيف إلى هذه القيمة قيمة أخرى من طبيعة روحانية، إذ إن نجاحك وإخلاصك فى تأدية عملك يكسبك الرضا الربانى، فإن أثراك عملك وأغناك وسمح لك أن تعيش حياة رغيدة، فذاك يعنى أن الرحمة الإلهية إلى جانبك.

التوازن بين الإنسان والطبيعة

فى جميع بلدان العالم تقوم روابط جيرة بين الإنسان والطبيعة. بيد أن أشكال التحديث المعتمدة غالبا ما تؤذى الطبيعة المجاورة للبشر، فيتعاملون معها كغنيمة معتبرين أن غزوها كيفما كان متاح ومقبول. وفى أحسن الأحوال، كما يحصل فى البرازيل، يحترمون حدودها نسبيا فى العاصمة برازيليا، لكنهم ينتقمون منها لاحقا فى عمق الغابات الأمازونية.

فى سويسرا، كما بإمكانك لمسه فى كل أنحاء الدولة، يسود تكاملٌ هادئ بين الإنسان والطبيعة. فالناس جميعا يتذكرون أن جذورهم ريفية ويحترمون هذا الجزء من شخصيتهم. لذلك هم يتعاملون مع الطبيعة، فى المدن كما فى الأرياف، بروحية واحدة.

مدنهم المليونية غير موجودة بالمعنى الذى تبصره فى بلدان الغرب الأخرى. يبقون على مدنهم الأصلية ضمن أحجام لا تتعدى ديموغرافيتها ربع المليون نسمة. وإن احتاجوا مرغمين للتوسع فلا يكدسون الأبنية إلى جانب بعضها البعض، بعد مسح مساحات من الأرض مسحا، بل يتوجهون إلى إحدى الغابات المحيطة ويعتمدون مخططا توجيهيا يقوم على شق مساحة عمرانية بطول مائتى أو ثلاثمائة متر، مع طريق صغيرة، تاركين الغابة كما هى من حول مسكنك، من هذه الجهة أو تلك، بعرض خمسين مترا، بحيث لا ترى جيرانك فى الشارع الموازى الآخر، إلا من بعيد جدا، فيما تطل أغصان الأشجار المعمرة على نافذتك وتعبر أمامك الطيور من شجرة إلى أخرى، وكذلك السناجب. فأنت والطبيعة جيران وشركاء وأصدقاء على حد سواء. كما أنه عندما تتجول فى الأرياف تلحظ على الفور كثافة لحضور القرى فيها. علما  بأن مختلف القرى التى تمر بها أو تشاهدها من بعد تحتوى بوضوح على مؤسسة عمل صغيرة، بحيث يجد الجميع عملا له فى بلدته، أينما كانت، من دون أن يضطر للذهاب إلى مدينة كبيرة للحصول على عمل. بذلك تغدو ظاهرة الهجرة من الريف إلى المدينة غير موجودة، والريف زاهر مثله مثل الحضر.

التوازن بين الإنسان والإنسان

عندما تطلع على تاريخ هذه الدولة الألبية الصغيرة، سرعان ما تفهم أن التوازن العام الذى يسودها اليوم هو إرادى ومن صنع البشر، حيث إن موقعها الوسطى فى قلب القارة الأوروبية جعلها ضحية دائمة لأطماع جيرانها الكبار. فآل هبسبورغ الألمان طمعوا بها، وكذلك ملوك فرنسا والنمسا. بيد أن ثلاث قبائل محلية عقدت باكرا حلفا للدفاع المشترك والمستقل فى عام 1291. ثم تطور هذا الحلف ليشمل فرقاء أكثر فأكثر حتى بلغ الأمر فى عام 1848 مستوى إنشاء الدولة الفدرالية الحديثة المعروفة اليوم والقائمة على دستور حديث.

لم يكن هذا التحول سهلا بالطبع، غير أن إرادة الاستقلال والثبات عليه جيلا بعد جيل أدت إلى تحقيقه وتكريسه تجاه الداخل والخارج على السواء. وفى هذا السياق كانت معارك الاستقلال وحروبه مع أباطرة فرنسا وألمانيا والنمسا وملوكها أهون الشرين، ذلك أن أشرسها وأخطرها لاحقا حصل اعتبارا من مطلع القرن السادس عشر مع نشأة الحركة البروتستانتية فى عام 1518 وتمددها فى الأوساط الكاثوليكية فى سويسرا، حيث أدت إلى نشوب حروب أهلية دينية على قاعدة الانقسام المذهبى. فساد احترابٌ داخلى طوال ثلاثة قرون ونيف، ترافق مع أعمال عدائية عسكرية وسياسية مستدامة.

فما لم يتمكن من تحقيقه على مدى زمن طويل، أى من القرن الثالث حتى السادس عشر، من تفكيك للبلاد وشعبها، تمكنت منه خلال عقدين من الزمن فقط إثارة العصبيات المذهبية؛ إذ سرعان ما انقسم النسيج الاجتماعى الموحد سابقا إلى رقعة جغرافية وسكانية مشرذمة. توزعت الرعايا على فريقين وساد العداء الأرضى والعقائدى بينهما، فصارت الكنائس موزعة بين جماعتين تنصب كل واحدة منها العداء للأخرى، تحت سقف دينى واحد، لكن بعباءة مذهبية مخالفة ومختلفة.

انسحب الانقسام المذهبى سياسيا فانقسمت القرى إلى قرى كاثوليكية وأخرى بروتستانتية، ثم انسحب أمره على المدن، ثم على الكانتونات. وذلك إن دل على شىء، فعلى القدرة التفتيتية الهائلة التى تنتجها العصبيات المذهبية، الأفتك من العصبيات الدينية، كونها تدخل سائر البيوت والقرى والبلدات وتفككها من الداخل.

لكن، بعد التلاقح مع أفكار الثورة الفرنسية وشرعة حقوق الإنسان والمواطن التى أنتجتها وعمت أوروبا بالتدريج، ممهدة لانتشار الحداثة، دخل السويسريون بعد عام 1848 فى صيغة عيش وعمل وحياة تسودها المساواة السياسية الكلية، مع اعتماد التسامح الدينى كنهج «كهنوتى» وسياسى فى الحياة.

هكذا تصالح الإنسان مع الإنسان الآخر فى الدولة الكونفدرالية الحديثة، بعدما دفع ثمن ذلك فى الأرواح والأرزاق وفرص الحياة الضائعة على مدى ثلاثة قرون ونيف.

هل يعنى ذلك أن الماضى، بثوابته الموروثة السابقة، غائبٌ عن المشهد؟

نعم، لكن بمعنى أن الدروس المستفادة التى استخلصت منه أدت إلى سلسلة عمليات قطيعة مع زمن العصبيات المذهبية المتحاربة الطويل، المتلازم مع أنموذج دولة الملك تحت تمظهرات مختلفة. فاليوم الكونفدرالية التى نحتها الوعى السياسى العام باتت نظام حكم حديث من دون أن تؤدى إلى التطرف الذى شهدته الثورة الفرنسية فى أوجها. هنا لم يحصل فصل الدين عن الدولة رسميا ودستوريا، لكن الشريان الذى كان يغذى العصبيات الدينية المذهبية جرى قطعه رسميا ودستوريا بفصل السلطات الدينية عن السلطات السياسية فى الدولة. فالحكم للدستور، والدستور الكونفدرالى اليوم علمانى مع احترام كامل لحضور الدين فى الحياة الثقافية والعامة؛ إذ إن احترام الإنسان للإنسان الآخر فى البلاد جاء مسبوكا، بعد عام 1848، على قاعدة شرعة حقوق الإنسان والمواطن، لا على أى تشريع آخر، الأمر الذى حفظ حق الإيمان روحانيا ونبذ تشوهاته وتمظهراته المذهبية التى جاءت مكلفة جدا على مستوى البشر كما على مستوى الحجر.

شكّل العمران البشرى المعتمد حاليا صورة متكاملة ومعاد تظهيرها، بحيث إن البلاد بقيت نفسها والشعب بقى نفسه، لكن طرائق تفكيره وتخطيطه وتنفيذه لشئون الحياة اليومية والعملية غادرت مداراتها السالفة المنغلقة على ذاتها حتى النصف الأول من القرن التاسع عشر ودخلت اليوم فضاء حديثا شذب ماضيه ذاتيا من مرض عضال كاد يطيح به لو بقى موجودا فى حياته السياسية.

لذلك، على تواضعه وصغره، بات الأنموذج العمرانى السويسرى يشكل اليوم أنموذجا إرشاديا للكثير من دول العالم الأخرى الغارقة فى نزاعاتها العصبية العتيدة. فمرتكزات التوازن الرباعى الدقيق الذى بلغه اليوم، منحوتة نحتا بوعى تاريخى بشرى خلاق ومسئول بات الكل ينحنى أمامه باحترام.


فردريك معتوق

مؤسسة الفكر العربى

النص الأصلى:

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved