بين المساحة العامة والمساحة الخاصة
أحمد عبد ربه
آخر تحديث:
السبت 8 أغسطس 2026 - 7:00 م
بتوقيت القاهرة
ننسى فى مصر أحيانا أن نميز بين المساحات. فالعالم ليس كله ملكنا، وإنما تتباين مساحاته، وبعضها نشترك فيه مع آخرين، وهو ما نسميه بالمساحة العامة، بينما تكون مساحات أخرى خاصة بنا. وقد يكون من المهم أن نذكّر أنفسنا بكيفية التعاطى مع هذه المساحات بما يتفق مع الدستور والقانون، وفى الوقت نفسه يحقق مبدأ الحريات العامة، وتلك المتعلقة بالدين والمعتقد على وجه التحديد.
ثارت أخيرا قضية إحدى السيدات التى كتبت منشورا على مواقع التواصل الاجتماعى بشأن ما قالت إنه منع لها من الصلاة فى أحد المطاعم بأحد المولات الكبرى فى القاهرة. والحقيقة أننى لا أريد التعقيب على هذه الواقعة وحدها، بقدر ما أريد ربطها بسياق أوسع يتعلق برؤيتنا للمساحات العامة والخاصة، وكيف يمكن لنا أن نميز بينها.
بشكل عام، وبدون الاستغراق فى التنظير، يمكن أن نميز بين ثلاث مساحات. الأولى هى المساحة الخاصة، أى تلك التى تخصنا ونتحكم فى طريقة التعاطى معها، وفى فعل ما يحلو لنا بداخلها وفقا لعاداتنا وتقاليدنا وثقافتنا. ولعل المنزل هو التعبير الأوضح عنها. فسواء كان المنزل مملوكا لنا أو مستأجرا لأجل معين، فهو مساحتنا الخاصة التى يجب أن يحترمها الآخرون وأن يخضعوا لقواعدنا حين يدخلون إليها. فعندما يأتيك ضيف، من المتوقع أن يلتزم بقواعد منزلك: هل يخلع حذاءه أم لا؟ وأين يجلس؟ وغيرها من القواعد التى لا تكون مكتوبة عادة، ولكننا نتعارف عليها وفقا لعاداتنا وثقافتنا.
أما المساحة الثانية فهى المساحة العامة. وهى ليست مملوكة لنا، وإنما نشترك جميعا فى استخدامها والتفاعل معها. ومن ثم، فالقواعد المنظمة لها ليست قواعدنا نحن، وإنما يفترض فى الدولة الحديثة أن ينظمها الدستور والقانون. ومن أمثلتها الحدائق العامة، والأنهار، والبحار، والجبال، والشوارع، ومحطات المواصلات المختلفة، وكذلك المؤسسات العامة والمساجد والكنائس. وفى هذه المساحات تلزمنا قواعد الدولة، لا قواعدنا الشخصية.
أما المساحة الثالثة، والتى أعتقد أنها مصدر لكثير من الارتباك وسوء الفهم، فهى المساحات الخاصة التى تقدم خدمة عامة. فالمطعم، مثلا، قد يكون مملوكا لشخص أو شركة، لكنه لا يمثل مساحة خاصة بالمعنى الكامل، لأنه يقدم خدمة للجمهور. وهنا ينبغى مراعاة مزيج من الثقافة والتقاليد والهوية من ناحية، والقواعد التى يضعها صاحب المكان من ناحية أخرى، ما دامت لا تتعارض مع الدستور والقانون.
• • •
ومن هنا علينا الانتباه إلى خطأ كبير، ربما يكون موروثا ثقافيا، لكن علينا إعادة النظر فيه فى إطار الدولة الحديثة: كون فئة ما تمثل الأغلبية العددية فى المجتمع لا يعطيها الحق فى أن تفعل ما يحلو لها فى المساحة العامة، أو فى المساحات الخاصة التى تقدم خدمة عامة. ففكرة أن الغلبة للأكثر عددا لا محل لها فى المجتمعات الحديثة. صحيح أن الأغلبية تسهم فى تشكيل ثقافة المجتمع وعاداته وتقاليده، لكننا لسنا فى دولة القبيلة، أو هكذا يفترض. ومن ثم، تتساوى حقوق الأقلية مع حقوق الأغلبية ما دام الأمر متعلقا بالمساحة العامة.
وهنا نصل إلى واحدة من أكثر القضايا جدلية فى المجتمع المصرى والعربى، وهى الصلاة. ففى بعض المجتمعات شديدة العلمانية، كالمجتمع الفرنسى، تفرض قواعد صارمة للفصل بين الدين والمساحة العامة، وقد تمتد إلى مظهر الفرد وملبسه وتصرفاته. وهذه النسخة شديدة العلمانية لا أعتقد أنها تناسبنا، ليس فقط بسبب عاداتنا وتقاليدنا، ولكن لأن الدين جزء لا يتجزأ من هوية مجتمعاتنا العربية. بل إن هذا الفصل المتعسف قد يأتى أحيانا على حساب الحريات الشخصية نفسها، رغم الارتباط المفترض بين العلمانية والديمقراطية والليبرالية.
وفى المقابل، هناك نموذج الدول الثيوقراطية «الدينية»، التى تفرض على المواطنين قواعد مرتبطة بدين الأغلبية، أو بالأحرى بالطريقة التى تفسر بها السلطة هذا الدين، ثم تلزم بها الجميع بمن فيهم الأقليات. ويمكن أن نجد أمثلة لذلك فى إيران أو أفغانستان، حيث تفرض السلطة قواعد دينية على كل من يوجد فى المساحة العامة، كالحجاب وغيره. وهذا نموذج مرفوض أيضا فى تقديرى، لأنه يفعل ما يفعله النموذج العلمانى المتشدد، ولكن بصورة عكسية.
النموذج الأقرب لنا، والذى أعتقد أن علينا اتباعه، ليس لأنه نموذج غربى مفروض علينا، وإنما لأنه يتفق مع قواعد العدالة والرحمة والمودة، هو نموذج وسطى لا يطالبك بأن تتخلى عن أفكارك أو معتقداتك أو الشكل الذى تريد أن تظهر به فى المجتمع، بشرط بسيط: ألا تجبر الآخرين على اتباع القواعد نفسها التى تلزم أنت نفسك بها. والسؤال هنا: كيف نوازن بين معتقداتنا وثقافتنا وديننا وبين مساحة عامة نشترك فيها مع آخرين قد تكون لهم عادات وثقافات ومعتقدات مختلفة؟
• • •
المسألة فى تقديرى بسيطة إذا خلصت النيات، ولا تحتاج إلى كل هذا التشنج. حين تذهب إلى حديقة أو مطعم وتريد الصلاة، فمن الطبيعى أن تبحث أولا عن المكان المخصص لها. وفى مصر تحديدا، تكاد أماكن الصلاة تكون متاحة فى كل مكان. وإن تعذر الوصول إليها، فلا بأس فى الصلاة فى مساحة عامة، ولكن مع مراعاة أمرين: أن تستأذن ممن يدير المكان وأن تلتزم بالمكان الذى يوجهك إليه، وأن تراعى وجود آخرين قد لا يدينون بدينك، أو يدينون به ولكن لديهم ثقافة أو فهم مختلفان. وإذا كانت النية الحقيقية هى الصلاة ابتغاء وجه الله، فستصلى بهدوء وفى أى مكان مناسب دون حاجة إلى لفت الأنظار. فالصلاة تذكرة ورحمة وتواصل روحى وواجب لمن يؤمن بوجوبها، لكنها لا ينبغى أن تتحول إلى مظاهرة أو مغالبة أو وسيلة لفرض ثقافة الأغلبية على الآخرين.
وربما كان جزء من المشكلة فى مصر والعالم العربى أن بعضنا لم يجرب العيش كأقلية عددية فى مجتمع تختلف ثقافة أغلبيته أو دينها عنه. وهى خبرة مهمة، لأنها تعلم الإنسان أن يضع نفسه مكان الآخر. ففى كثير من المجتمعات الغربية، يعيش المسلمون باعتبارهم أقلية عددية، ومع ذلك يمارسون شعائرهم الدينية فى المساجد، وقد يستأذنون أيضا للصلاة فى مطعم أو يصلون فى حديقة عامة. ورغم كونهم أقلية، فإنهم فى الغالب يستطيعون ممارسة صلاتهم بهدوء ومن دون مضايقات. وما لم يواجهوا سلوكا عنصريا، فإن حقهم فى ممارسة شعائرهم يحظى بالاحترام، وإذا تعرضوا للمضايقة فإن هذا السلوك نفسه يكون محل استهجان، بما فى ذلك من قطاعات واسعة من الأغلبية. وفى مصر، لا نرى المسيحيين عادة يصلون فى الشوارع، رغم أن حقهم فى ممارسة شعائرهم يجب أن يحظى بالاحترام نفسه. بل شهدنا للأسف اعتداءات وفتنا طائفية ارتبط بعضها بالصلاة فى أماكن قيل إنها ليست كنائس معترفا بها.
لذلك، إذا تأملنا الأمر، سنجد أن الأفضل للسلم المجتمعى، وللمودة والرحمة وقواعد العدالة، أن نراعى مشاعر بعضنا البعض. فالمساحات العامة لا يحكمها منطق الأغلبية والأقلية، وإنما قدر من الذوق والاحترام والالتزام بالقانون. وهذه ليست دعوة للتخلى عن الصلاة، وليست دعوة لأن نصلى فى بيوتنا أو مساجدنا فقط، وإنما دعوة إلى مراعاة أبسط قواعد الذوق والآداب عندما نهم بالصلاة. فإذا كانت وجهتنا هى القبلة، وكانت صلاتنا لله سبحانه وتعالى، فإن الأمر لا يحتاج إلى إعلان، ولا إلى حملات، ولا إلى مناظرات، ولا إلى أن نعيش فيه دور الضحية.
تنويه: لظروف شخصية حالت دون توافر حاسب آلى للكتابة، اضطر الكاتب إلى الاستعانة ببرنامج للذكاء الاصطناعى واستخدام خاصية الإملاء الصوتى لتحويل ما أملاه إلى نص، ثم نسخه ومراجعته وتحريره. واقتصر دور البرنامج على المساعدة التقنية واللغوية فى إخراج النص، بينما جميع الأفكار والآراء والحجج الواردة فى المقال هى أفكار أصلية للكاتب.
أستاذ مشارك العلاقات الدولية، والمدير المشارك لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة دنفر