عن حقوقنا فى الشواطئ والعدالة المناخية

شيماء الشرقاوي
شيماء الشرقاوي

آخر تحديث: السبت 8 أغسطس 2026 - 6:55 م بتوقيت القاهرة

تعرضت منطقة حوض البحر المتوسط فى نهاية شهر يونيو لموجة شديدة الحرارة، وأدت إلى حدوث حالات كثيرة من الإجهاد الحرارى، وصلت إلى حد الوفاة فى بعض المدن الأوروبية. ليس هذا بخبر جديد للأسف، وإنما أصبح خبرًا متكررًا فى الأعوام الأخيرة، وليس هنا مجالنا للحديث عن التغيرات المناخية الحادة التى أصابت محيط المتوسط. ولكن ما أثارنى حينها هو محاولات تكيف الكثير من مواطنى المدن الأوروبية مع هذه الموجة الحارة بالخروج من بيوتهم - المصممة على نحو أساسى لحفظ الحرارة - إلى الشواطئ العامة التى هوَّن وجودها عليهم هذه الموجة الشديدة. للأسف، لم يكن هذا حالنا فى عدد من مدننا العربية، فعلى الرغم من الموجة الحارة نفسها، لم يكن فى مقدور شعوبنا الهروب إلى الشواطئ بالطريقة نفسها.

إذن، لماذا هناك أزمة فى الشواطئ فى منطقتنا العربية؟ لنأخذ مدينتى الإسكندرية وبيروت كأمثلة. مع غياب الإحصاءات الرسمية لعدد الشواطئ العامة، تشير بعض التقديرات غير الرسمية - من مصادر صحفية - إلى أن الإسكندرية فى صيف 2026 بها نحو 43 شاطئًا مصنفًا رسميًّا ضمن منظومة المحافظة، منها شاطئ مجانى واحد وأربعة شواطئ مصنفة عامة برسوم رمزية للفرد (خمسة جنيهات مصرية للفرد الواحد)، بينما بقية الشواطئ تتوزع بين فئات مميز وسياحى وفندقى، وهى بالطبع ذات رسوم أعلى. وبالنسبة لبيروت كذلك، فى عام 2026، تشير التقديرات غير الرسمية لبعض التقارير الحقوقية والصحفية إلى وجود شاطئ عام واحد حتى الآن، وهو شاطئ الرملة البيضاء.

تعبر هذه الأزمة عن تداخل معقد بين التحولات العمرانية والضغوط البيئية والتغيرات المناخية، بحيث أصبح الوصول إلى البحر قضية حق عام وعدالة مكانية وعدالة مناخية فى آن واحد، وليس من أجل الترفيه والسياحة. ففى المدينتين نجد تناقص الشواطئ العامة فى مقابل خصخصة الشواطئ للسياحة والفنادق وتوسع المشروعات الاستثمارية، بينما تتعرض الشواطئ فى الوقت ذاته لمخاطر التآكل وارتفاع مستوى سطح البحر.

• • •

من هنا تأتى العلاقة بين الشاطئ العام وعلاقة الدولة بالمجال العام بالمفهوم الأوسع: هل يُدار الشاطئ بوصفه منفعة عامة مضمونة للمواطنات والمواطنين، تشمل الحق فى الوصول إليه والاستفادة منه كذلك (أعمال الصيد والملاحة وغيرها)، أم بوصفه فقط أصلًا اقتصاديًا يخضع لمنطق السوق الحر؟ هذا السؤال يبلور معناه خصوصًا فى المجتمعات التى تعانى فى أساسها من تفاوتات اجتماعية ومكانية صارخة، حيث يصبح حرمان الفئات الأقل حظًا من الوصول إلى البحر امتدادًا لحرمانها من موارد حضرية أخرى، مثل الحدائق والمساحات المفتوحة والخدمات العامة ذات الجودة.

فى الدراسات العمرانية، لا يُعرَّف الشاطئ العام بوصفه مجرد فضاء طبيعى مفتوح، بل باعتباره جزءًا من المجال الحضرى العام، أى أنه أحد الموارد المكانية التى تتيح للسكان الاسترخاء والتنقل والتفاعل الاجتماعى والشعور بالانتماء إلى مدينتهم. وعندما يتقيد الوصول إلى هذه الموارد، أو تصبح مشروطة بالدفع، فإن المدينة نفسها تصبح أقل عدالة، لأن الحق فى استخدامها لم يعد متساويًا بين السكان.

فى الإسكندرية، تعكس التحولات التى أصابت الشواطئ العامة هذا المسار بوضوح، مع تحول أجزاء واسعة من الواجهة البحرية إلى مشروعات مغلقة أو شواطئ برسوم مرتفعة. حتى مع بقاء الشاطئ قانونيًّا خاضعًا لإدارة الدولة، فإن الوصول إليه أصبح مقيدًا عبر الأسعار أو البوابات أو نمط الاستثمار القائم على الانتقاء الاجتماعى، وهو ما يحول البحر من حق مشاع إلى سلعة ترفيهية. وفى بيروت، تبدو هذه الحالة أكثر تجليًا، خصوصًا مع محدودية الشريط الساحلى بالمقارنة بمدينة الإسكندرية وكثافة التعديات عليه، فأصبح وصول مواطنى بيروت إلى البحر محدودًا للغاية، بينما تسيطر المنتجعات والمنشآت الخاصة والتعديات المتراكمة على جزء كبير من الأملاك البحرية العامة.

• • •

من المهم كذلك الحديث عن أن تراجع مساحة الشاطئ العام لا يعنى فقط المساحة الجغرافية، بل أيضًا ما يتغير من وظيفته الاجتماعية. فالشاطئ الذى كان فى الذاكرة الحضرية فضاءً مفتوحًا إلى حد ما، يمتزج فيه مواطنو المدينة على اختلاف خلفياتهم وطبقاتهم وانتماءاتهم، أصبح يتحول بشكل تدريجى إلى فضاء انتقائى، تتشكل قواعد استخدامه بما يتوافق مع منطق التسليع والربح.

بالعودة إلى العلاقة بين أزمة الشواطئ والتغير المناخى، من المهم الحديث عن هشاشة حوض البحر المتوسط ومدنه المناخية، ومنها بالطبع الإسكندرية وبيروت، والتى من المتوقع تأثرها إلى حد بعيد بظواهر مثل ارتفاع مستوى البحر ونحر البحر وتآكله. فالتغير المناخى فى هذه الحالة يكشف لنا البنية غير العادلة ويضاعف آثارها، فإذا كانت الشواطئ العامة تتناقص بفعل الخصخصة والتعديات عليها، فإن كل ما يُفقد بفعل التآكل أو العواصف أو ارتفاع البحر يتحول إلى خسارة اجتماعية أشد وطأة على مواطنى هذه المدن.

لذا تُظهر لنا عدسة العدالة المناخية أن مسألة الشواطئ العامة تتجاوز البعد البيئى فقط، لأنها تتعلق بتوزيع الأعباء والفرص بين الفئات الاجتماعية المختلفة. فالفئات الأكثر تهميشًا هى الأقل قدرة على الوصول إلى بدائل مدفوعة أو امتلاك وسائل نقل، والأشد حاجة إلى فضاءات عامة منخفضة الكلفة تخفف وطأة التغيرات المناخية عليها، خصوصًا موجات الحرارة. وهنا أنصح القراء الأعزاء والقارئات العزيزات بالاطلاع على ما أنتجه منتدى البدائل العربى للدراسات من إصدارات متنوعة، وأهمها كتاب «منطقة فى خطر» حول مفهوم العدالة المناخية وأعباء تحملها، حيث إن حرمان المواطنين من البحر يمثل شكلًا صارخًا من أشكال اللا مساواة البيئية، عندما تُتجاهل المنفعة العامة لصالح خدمات مدفوعة، بينما تتحمل الفئات الفقيرة كلفة الإقصاء والتعرض الأكبر لمخاطر التغير المناخى وتدهور البيئة الحضرية.

• • •

تتفاقم هذه الإشكالية فى جنوب المتوسط مع تزايد موجات الحرارة، وخصوصًا عندما يصبح الوصول إلى البحر ضرورة للتكيف الحرارى والنفسى والاجتماعى، لا مجرد نشاط ترفيهى. فالشاطئ العام يشكل بنية للتكيف منخفضة الكلفة، وغيابه يعمّق الفجوة بين من يستطيع تحمل تكلفة التكيف ومن لا يستطيع. كما أن تراجع الشواطئ العامة لا يمس الترفيه فقط، بل يؤثر فى الذاكرة الجماعية والإحساس بالمكان، ويحد من فضاءات التلاقى الاجتماعى، مما يعزز الإقصاء والغربة والصراع بين الفئات المختلفة، وكذلك الشعور بعدم المساواة فى الحق فى المدينة.

فى بيروت، يتعاظم الوضع بسبب التلوث الذى يجعل العديد من الشواطئ غير آمنة، بينما فى الإسكندرية يؤدى تركز الاستخدام على شواطئ محدودة العدد إلى الازدحام وتدهور الخدمات. لذا، فالتعامل مع هذه المسألة يستلزم إعادة تعريف الشاطئ كحق أصيل لكل المواطنات والمواطنين، فهو ليس مجرد مورد طبيعى، بل هو اختبار لمدى تحقيق العدالة المناخية فى الوصول إلى الموارد المشتركة والاستفادة منها.


باحثة ومديرة مشروعات بمنتدى البدائل العربى للدراسات

 

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved