القرض والدستور
هانى سيد
آخر تحديث:
السبت 8 سبتمبر 2012 - 8:35 ص
بتوقيت القاهرة
تتميز قروض صندوق النقد الدولى عن قروض أخرى قد تلجأ إليها الدول سواء كان ذلك من منظمات حكومية (البنك الدولى) أو مصارف خاصة، أو إصدار سندات على الخزينة فى أن الهدف الأساسى لها هو دعم الملاءة المالية للدولة بصفتها السيادية. القروض التى يعطيها الصندوق لا تمول مشاريع بنية تحتية بل تدعم ميزان المدفوعات وتسمح للدولة المدينة ان تحسن من مركزها المالى وان تواظب على دفع مستحقاتها. يمكن تشبيه دور صندوق النقد الدولى بالنسبة للدول الأعضاء فيه.
مع كثير من التبسيط، بدور المصرف المركزى داخل الدولة فى ضمان ودعم ملاءة المصارف فيها سواء أكان ذلك تنظيميا من حيث تقنين معايير الملاءة ومراقبتها أو ماليا عن طريق قروض وتسهيلات ائتمانية. وصندوق النقد الدولى مخول، وفقا لاتفاقية إنشائه منذ عام ١٩٤٤، بأن يعلق هذه القروض على شروط تحقق، من وجهة نظره، رشاد الميزانية العامة للدولة بما يحسن المركز المالى للدولة ويضمن قدرتها على سداد الديون لاحقا. بالمقابل تلزم اتفاقية الصندوق بأن يرجح دائما عند إقرار القروض الاعتبارات الاقتصادية، وبعدم التدخل فى تعاملاته مع الدول الأعضاء فى شئون السياسة الداخلية. الاتفاقية لا تضع معيارا للتمييز بين السياسى والاقتصادى.
•••
يعيد النقاش الدائر حول اتفاق القرض بين حكومة جمهورية مصر العربية وصندوق النقد الدولى إلى الواجهة مسائل دستورية كانت مطروحة فى ظل الإعلان الدستورى المكمل، وما زالت تلقى بظلها الثقيل على الحياة السياسية المصرية بعد إلغائه. والسؤال الذى يثيره القرض من الناحية الدستورية يمكن إيجازه كما يلى:
هل يحق للسلطة التنفيذية فى مرحلة دستورية انتقالية أن ترتب التزامات دولية على الدولة المصرية من شأنها أن يكون لها آثار طويلة الأمد وخاصة على النظام الضريبى، بنية الميزانية العامة، النظام الاقتصادى للدولة والحقوق الاقتصادية والاجتماعية التى يمكن للدولة أن تضمنها والشكل المؤسساتى لضمانها؟
دستورية عقد اتفاق القرض مع صندوق النقد الدولى مطروحة للأسباب التالية التى يمكن وضعها تحت عنوان كبير هو «العجز الديمقراطى» (Democratic deficit):
اولها ان عقد اتفاق القرض يتم من قبل السلطة التنفيذية، دون ان يكون هناك اى هيئة مستقلة مخولة دستوريا بمهمة الرقابة الشعبية على أعمال السلطة التنفيذية. وفقا للأعراف الدستورية السائدة فى كثير من دول العالم بما فيها الدساتير المصرية المتعاقبة، يمارس مجلس الشعب المنتخب سلطة الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية ومنها عقد القروض، من خلال سلطة إقرار الميزانية، والموافقة بقانون على أى تعديل فى النظام الضريبى. الوضع الدستورى الحالى فى مصر، حيث تتركز السلطات فى هيئة واحدة، لا يسمح بمثل هكذا رقابة شعبية.
ثانيا وهى المسألة الأكثر جدية برأى، فإن اتفاق القرض الحالى من شأنه أن يقيد الخيارات الدستورية التى يمكن أن تُطرح على الاستفتاء بعد أن تنتهى التأسيسية من أعمالها.
بغض النظر عن ماهية الشروط التى سيصر عليها الصندوق، أو الأيديولوجية الاقتصادية التى تؤسس لها، فإن الكثير منها قد يمس المسائل التى يختلط فيها السياسى بالاقتصادى. بعض هذه المسائل قد يدخل ضمن مجال تقدير واجتهاد السلطة التنفيذية التى تعقد القرض. بعضها الآخر يتعلق باستحقاقات لا يمكن إلا ان تحسم ديمقراطيا بعد نقاش عام. هذه المسائل تكون على درجة من الأهمية التى تدفع إلى تكريسها بنص دستورى. والخط الفاصل بين السياسى والاقتصادى، بين ما يمكن تركه لتقدير السلطة التنفيذية، وما يجب أن يخضع لنقاش عام ديمقراطى لا يمكن تحديده مسبقا بقياس منطقى. التمييز بين السياسى والاقتصادى فى الدستور هو بحد ذاته مسألة سياسية وقيمية بامتياز، يقررها فى نهاية الأمر العملية السياسية والإرادة الشعبية.
•••
الحقوق الاقتصادية والاجتماعية التى قد يضمنها الدستور ليست شعارات يُستأنس بها. عندما تضمن الدولة حق الرعاية الصحية، أو حق السكن، أو حق التعليم فإن لهذا أثرا على ميزانية الدولة. النص الدستورى الذى يضمن هذه الحقوق يرتب الأولويات بإرادة شعبية من حيث ما يجب على الدولة تأمينه والإنفاق عليه أولا. فإذا كانت المشكلة الأساسية التى تعالجها قروض صندوق النقد هى عجز الميزانية الحكومية، والشروط التى يمكن تعليق القرض عليها تهدف فى نهاية الأمر إلى تقليص هذا العجز، فإن كيفية تقليص العجز ليست مسألة فنية بل سياسية بامتياز. ومن الصعب تصور كيف يمكن إقرار مثل هذه المسائل فى وضع دستورى انتقالى، تتركز فيه السلطات فى هيئة واحدة بدون رقابة شعبية. ومن الصعب أيضا تصور كيف يمكن إقرار مثل هذه المسائل والدستور الدائم ما زال تحت الصياغة دون أن يحدد ذلك بشكل مسبق الاتجاه الاقتصادى والاجتماعى للدولة.
هذا الغموض الذى يلقى بظله على دستورية عقد اتفاق القرض قد يكون له نتائج اقتصادية غير مرغوبة على المديين القصير والمتوسط. فالتحسن فى مركز مصر الائتمانى دوليا بسبب قرار صندوق النقد الدولى إقراض مصر قد لا يصل إلى المستوى الذى روجت له الحكومة. تغير نظام الحكم هو أمر مقلق للدائنين مهما كان هذا التغيير هادئا وسلميا. وكثير من الدائنين سيكون قلقا فى ظل هذا الغموض من أن يتحول الاتجاه السياسى العام بحيث يسمح لحكومة مصرية مستقبلية أن تستخدم حقها وفقا للقانون الدولى للامتناع عن سداد هذا القرض وغيره اعتمادا على أن السلطة التنفيذية تجاوزت اختصاصها عندما عقدت اتفاق القرض، وأن الجهات الُمقرضة كانت على علم بالغموض فى الوضع الدستورى وعدم الوضوح فى حدود اختصاص السلطة التنفيذية الذى تم فى ظلهما عقد اتفاقيات القروض.