فى ضرورة بلاغة الجمهور

عماد عبداللطيف
عماد عبداللطيف

آخر تحديث: الثلاثاء 8 سبتمبر 2020 - 8:40 م بتوقيت القاهرة

بلاغة الجمهور فرع من فروع العلم يدرس العلاقات بين بناء الخطاب وأدائه من ناحية، واستجابات الجمهور الذى يتلقاه من ناحية أخرى. تهدف بلاغة الجمهور إلى تمكين الجمهور من إنتاج استجابات بليغة، يستطيع من خلالها كشف أشكال إساءة استعمال الكلام مثل العنصرية، والكراهية، والتلاعب، والتمييز، والقهر، والإخضاع، ومقاومة هذه الإساءات، بما يدفع المتكلمين ــ أفرادا أو مؤسسات ــ إلى مراقبة خطاباتهم، وترشيدها، وجعلها أكثر استقامة ونبلا وإنسانية. غاية بلاغة الجمهور هى إكساب الأفراد مهارات تجعلهم فاعلين فى التواصل الجماهيرى، على أمل أن يؤدى ذلك إلى تحقيق تواصل يتسم بالإنسانية والمصداقية والنزاهة. لتحقيق هذه الغاية تقدم بلاغة الجمهور معارف نظرية، وأدوات تحليل، وإرشادات تمكن الجمهور من إنتاج استجابات بليغة، تدعم النبيل من الخطابات، وتقاوم المتلاعب منها.
من السهولة البرهنة على أهمية بلاغة الجمهور فى المجتمعات الديمقراطية، التى تتيح قوانينها وممارساتها لأفراد الشعب ممارسة حرية التعبير، وفقا لأطر واضحة تضبطها الأعراف والقوانين. فقدرة الجمهور على تقديم استجابات بليغة، تدعم الخطابات النزيهة، وتقاوم الخطابات العنصرية والمتلاعبة، تنسجم مع الأطر القانونية والعرفية المنظمة للكلام العمومى فى هذه المجتمعات. ففى معظم المجتمعات الديمقراطية توجد قوانين تُعاقب من يُنتجون خطابات عنصرية أو متلاعبة أو محرِضة أو تمييزية. وعادة ما تشجع هذه الأنظمة والمؤسسات أفراد الشعب على مواجهة هذه الخطابات من خلال النقد والمساءلة والتفنيد؛ أى بالاستجابة البليغة. لكن الأمر قد يكون مختلفا فى المجتمعات التى تتراجع فيها حريات التعبير، ويشيع فيها الخوف من الكلام. وهذا المقال يهدف تحديدا إلى بيان أهمية بلاغة الجمهور فى المجتمعات التى تُقيد حرية أفرادها فى التعبير، وتسعى للحيلولة بينهم وبين مساءلة الخطابات العمومية التى يتلقونها، خاصة من طرف السلطة القائمة.
***
ربما تستند خشية بعض المجتمعات والأنظمة من نقد المواطنين للخطابات العمومية التى تمارس أشكالا من إساءة استعمال الخطاب إلى الخوف من النقد عموما، أو القلق إما من أن يُهدد انتقاد الشعب للسلطة من قدرتها على الاستمرار، وإما أن يستغل أعداء الوطن هذه الانتقادات لصالحهم فى زعزعة الأوطان. وفى الحقيقة، فإننى أدافع فى هذا المقال عن وجهة نظر عكسية، ترى أن إفساح المجال لأفراد الشعب فى إنتاج استجابات بليغة، تقاوم إساءات استعمال الكلام، وبخاصة خطابات التلاعب والعنصرية والقهر والتمييز، يصب فى خدمة الوطن وخدمة قضاياه.
لن أكرر هنا الحجج القوية التى تتعلق بأهمية حرية التعبير فى القضاء على أشكال الفساد المختلفة، بفضل قدرتها على خلق أجواء تتسم بالشفافية والنزاهة، وهما من الأعمدة التى تستند إليها شرعية الأنظمة فى كل مكان. ولن أتحدث عن الفوائد الكثيرة التى تحققها أية سلطة إن هى استمعت إلى مخالفيها، وأبصرت عيوبها، وعملت على تصحيحها، بما يضمن لها البقاء. لكننى سأقدم حجة أخرى مأخوذة تحديدا من مجال العلاقات الدولية فى زمن تحولات عاصفة، على نحو ما نرى فى المشهد الراهن فى العالم العربى.
لقد كان خطاب الشعوب العربية حول فلسطين على مدى العقود الماضية نموذجا للضمير الإنسانى فى نبله ووعيه وحكمته. فحين اضطُرت بعض دول المواجهة إلى عقد اتفاقيات «سلام» مع قوى الاحتلال الإسرائيلى، أدركت هذه الشعوب أن مصلحة أوطانها تفرض عليها مواصلة مقاومة خطابات العنصرية والقهر والتلاعب التى يروجها الاحتلال الإسرائيلى فى كل مكان. لم تتعامل الشعوب العربية أبدا مع نظام الاحتلال الإسرائيلى على أنه نظام شرعى، بل أدركت دوما أنه نظام احتلال، ينتهك القوانين الدولية، ويقدم خطابات ترسخ العنصرية والتمييز والقهر والتلاعب فى أبشع صورها. عبَرت هذه الشعوب عن رفضها لأى تطبيع للعلاقات مع نظام يُجاهر بالفصل العنصرى، ويدافع عن التمييز بين البشر استنادا إلى عرقهم ودينهم، ويرتكب مجازر وحشية فى حق أطفال عزل، ويستبيح حدود بلدان عربية شقيقة بلا حساب.
على مدى العقود الماضية، أدركت أنظمة دول المواجهة فى مصر والأردن وفلسطين ضرورة إتاحة الحرية لشعوبها فى التعبير عن رفضها وانتقادها للخطابات الداعية إلى السلام مع قوى احتلال غير شرعية، تمارس يوميا أشكالا لا حصر لها من التمييز والكراهية والتلاعب. وأتاحت للمؤسسات الشعبية الوطنية أن تقاوم الدعوات المغرِضة للتطبيع مع قوى الاحتلال، وتفضح أصحابها، وتشكل حائط صد أمام العبث بمصالح هذه الأوطان تحت ستار السلام. لقد كان إدراك القوى الحاكمة فى العالم العربى أهمية صمود الخطاب الشعبى فى مواجهة خطابات قوى الاحتلال الإسرائيلى محفزا على مواصلة أنشطة جمعيات مقاومة التطبيع فى البلدان العربية، وبخاصة تلك التى قادها مثقفو الأمة العربية وأدباؤها ومفكروها الذين كانوا حائط الصد الأقوى أمام خطابات الرضوخ للاحتلال والاستسلام له، تحت دعاوى «السلام».
***
إن الدرس الأهم الذى قدمته العقود الماضية هو أنه من الضرورى إتاحة الحرية للشعوب للتعبير عن نقدها ورفضها لخطابات الكراهية والعنصرية والتلاعب بواسطة إنتاج استجابات بليغة، تدعو إلى التحرر والنبل، وتقاوم إساءات استعمال الكلام. فالشعوب لديها حس واعٍ بمصالح الأمة، ولديها قدرة كبيرة على الدفاع عنها، وقوة لا يُستهان بها فى تصحيح مسار نخبتها. وإذا كانت أنظمة الاحتلال تستعمل قوة الرأى العام لديها ورقةَ ضغط فى مفاوضاتها مع الآخرين، فإننا بحاجة إلى تدعيم قوة رأى الجماهير العربية الواعية، المطالبة بالحرية والمساواة والسلام العادل. وإذا كانت بعض الدول قد اختارت أو اضطُرت إلى عقد اتفاقات «سلام» مع قوى الاحتلال، فإن مصلحتها تفرض عليها دعم بلاغة شعوبها، من خلال إتاحة حرية التعبير عن رفضها للاحتلال، والقهر، والعنصرية، حتى تحافظ هذه الشعوب على ضميرها الإنسانى، وعلى بصيرتها القادرة على التمييز بين الخير والشر، وعلى دورها بوصفها قوة ضغط تدعم هذه الدول فى مقاومة الرضوخ لمزيد من التنازلات. إن بلاغة الجماهير العربية، وقدرتها على الاستجابة الرشيدة لخطابات الكراهية والعنصرية والقهر ليست ضرورية لحماية قضايانا العادلة فحسب، بل للحفاظ على إنسانيتنا قبل أى شىء آخر.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved