اقتصاد المعادن الحيوية!
قضايا اقتصادية
آخر تحديث:
الثلاثاء 8 سبتمبر 2026 - 7:51 م
بتوقيت القاهرة
نشر موقع عروبة 22 مقالًا للكاتب عبدالرحمن أياس، يؤكد فيه أن القيمة الحقيقية للمعادن الحيوية لا تقف عند استخراجها خامًا، بل فى تكريرها وتصنيعها عبر استراتيجية عربية متكاملة تضمن للمنطقة موقعًا مؤثرًا فى الثورة الصناعية الجديدة.. نعرض من المقال ما يلى:
لم تعد القوة الصناعية تُقاس بما تملكه البلدان من نفط وغاز فقط. خلف السيارة الكهربائية وتوربينات الرياح ومراكز البيانات والهواتف الذكية، تقف مجموعة من المعادن التى أصبح تأمينها مسألة اقتصادية واستراتيجية. يدخل الليثيوم والنيكل والكوبالت والجرافيت فى صناعة البطاريات، ويحتاج العالم إلى النحاس لتوسيع شبكات الكهرباء وصناعة المحركات، بينما تُستخدَم العناصر الأرضية النادرة فى المغانط والإلكترونيات والصناعات الدفاعية.
لهذا تُوصَف هذه المواد بأنها «نفط العصر الجديد». لكن التشبيه ليس كاملًا: ليست المعادن الحيوية سلعة واحدة، ويمكن استبدال بعضها مع تطور التكنولوجيا، كما أن أسعارها شديدة التقلّب.
تتراجع أسعار الليثيوم بأكثر من 80 فى المائة منذ عام 2023، بعد طفرة استثنائية خلال عامى 2021 و2022. ومع ذلك، يواصل الطلب نموّه. فبحسب وكالة الطاقة الدولية، ارتفع الطلب العالمى على الليثيوم بنحو 30 فى المائة خلال عام 2024، وعلى النيكل والكوبالت والجرافيت والعناصر الأرضية النّادرة بما بين 6 و8 فى المائة. وتتوقع الوكالة استمرار الفجوة بين العرض والطلب على النحاس والليثيوم حتى عام 2035، مع عجز محتمل يقارب 25 فى المائة فى إمدادات النحاس.
لكن امتلاك المنجم لا يعنى امتلاك السوق. تتوافر القيمة الأكبر فى الأغلب بعد الاستخراج: فى فصل المعادن وتنقيتها، وتحويلها إلى مواد كيميائية، ثم تصنيع الكاثودات (الأقطاب الموجبة) والأنودات (الأقطاب السالبة) وخلايا البطاريات والمغانط والمكوّنات الإلكترونية. ولا تزال هذه الحلقات شديدة التركّز.
وفق وكالة الطاقة الدولية، بلغ متوسط حصّة البلد الأكثر تكريرًا لكل معدن، باستثناء العناصر الأرضية النادرة، نحو 72 فى المائة عام 2025. كذلك، يُتوقَّع أن تظل الصين فى عام 2035 مصدرًا لأكثر من 60 فى المائة من الليثيوم والكوبالت المكرّرين، ونحو 80 فى المائة من الجرافيت المستخدم فى البطاريات والعناصر الأرضية النادرة المخصّصة للمغانط.
لا يبدأ العرب من الصفر. تمثّل المملكة المغربية النموذج الأكثر تقدمًا فى ربط الموارد بالصناعة. إلى جانب الفوسفات والكوبالت، تمتلك البلاد قاعدةً لصناعة السيارات وموانئ قريبة من أوروبا واتفاقيّات تجارية واسعة النطاق. وفى عام 2025، بدأ مصنع «كوبكو»، وهو مشروع مشترك بين صندوق «المدى» المغربى وشركة «سى إن جى آر» الصينية، إنتاج المواد الوسيطة التى تدخل فى تصنيع الكاثودات المستخدمة فى بطاريات الليثيوم. كذلك، يجرى تطوير مصنع لشركة «غوشن هاى تك» الصينية لإنتاج خلايا البطاريات، من ضمن مشروعٍ قابلٍ للتوسّع على مراحل.
وفى المملكة العربية السعودية، تتوسّع أعمال المسح والاستكشاف، بالتوازى مع مشاريع مخصّصة لمعالجة العناصر الأرضية النادرة وتجربة استخراج الليثيوم من المحاليل الملحية الموجودة فى المكامن النفطية. غير أن تقنية الاستخراج لا تزال فى طور إثبات الجدوى التجارية، كما أن مشروع مصفاة العناصر النادرة لم يدخل الإنتاج بعد. كذلك يشمل تقدير الثروة المعدنية السعودية بنحو 2.5 تريليون دولار موارد معدنية متعدّدة ومحتملة، ولا يمثّل احتياطيّات مثبتة من المعادن الحيوية وحدها. أمّا سلطنة عُمان، فأعادت فى عام 2025 تصدير مركّزات النحاس من منجم الأسيل بعد توقف استمر نحو ثلاثة عقود من الزمن. لكن التحدّى يبقى الانتقال من تصدير المركّزات إلى صهر النحاس وتنقيته وصناعة الكابلات والمعدات الكهربائية. وتنتج الجمهورية الإسلامية الموريتانية النحاس أيضًا، إلا أن نشاطها لا يزال يتركّز فى الاستخراج والتصدير.
وفى جمهورية مصر العربية، يفصل مجمّع الرمال السوداء معادن مثل الإلمينيت والزيركون والروتيل والمونازيت. ويحمل المونازيت عناصر أرضية نادرة، لكن إنتاجه لا يعنى امتلاك تقنية فصل تلك العناصر وتنقيتها أو تصنيع المغانط منها. وتسلك دولة الإمارات العربية المتحدة مسارًا يعتمد على التمويل والتجارة والاستثمار الخارجى. لقد استثمرت شركة إماراتية 1.1 مليار دولار للحصول على حصة 51 فى المئة من مناجم موبانى للنحاس فى زامبيا. ويمكن لهذه الاستثمارات العربية أن تؤمّن موارد مستقرة، لكن أثرها العربى سيظلّ محدودًا إذا لم ترتبط بالتصنيع ونقل المعرفة إلى المنطقة.
لا يحتاج كل بلد عربى إلى بناء سلسلة مكتملة بمفرده. الأجدى هو توزيع الأدوار: منظومة مغربية للبطاريات والمواد الفوسفاتية والكوبالتية، وقاعدة سعودية لاستكشاف المعادن ومعالجتها وتطوير صناعات العناصر الأرضية النادرة ومكوّنات السيارات الكهربائية، ومركز إماراتى للتمويل والاستثمار فى المناجم والتجارة الدولية وإعادة التدوير، وسلسلة نحاس تربط موارد عُمان وموريتانيا بصناعة الأسلاك والمعدات، وقاعدة مصرية لمعالجة الرمال المعدنية وتطوير فصل العناصر النادرة حيث تثبت الجدوى.
ويبدأ ذلك بخريطة جيولوجية عربية موحدة تفرّق بين المؤشرات والموارد والاحتياطيات والإنتاج الفعلى، وصندوق لتمويل المشاريع المشتركة، ومراكز بحث وتدريب فى هندسة التعدين والكيمياء وعلوم المواد. كذلك، ينبغى ربط الاستثمارات العربية فى المناجم الخارجية بحقوق توريد بعيدة الأجل ونقل للتكنولوجيا، ووضع معايير موحدة لتتبع المعادن واستدامتها.
لكن لا يمكن بناء الصناعة على حساب البيئة والمجتمعات المحلية. إن التعدين والتكرير كثيفا الاستهلاك للطاقة والمياه، وقد ينتجان مخلّفات سامّة أو مشعّة. لذلك تصبح الشفافية وإدارة المخلفات وإعادة تدوير البطاريات جزءًا من الجدوى الاقتصادية، لا عبئًا إضافيًا عليها.
ليست الثروة فى ما يخرج من الأرض وحده، بل فى ما يحدث له بعد ذلك. إذا جمع العرب مواردهم وتمويلهم وطاقتهم وخبراتهم، يمكنهم أن يصبحوا شريكًا صناعيًا مؤثّرًا. أمّا إذا بقى كل بلد يعمل منفردًا ويصدّر الخام، فقد تمر الثورة الصناعية الجديدة بالمنطقة.. من دون أن تستقرّ فيها!.
النص الأصلى:
https://shorturl.at/UIXwD