مئوية كامل زهيرى الذى نسيناه للأسف
سيد محمود
آخر تحديث:
الثلاثاء 8 سبتمبر 2026 - 7:25 م
بتوقيت القاهرة
وقعت فى يدى قبل أيام نسخة من كتاب جميل قرأته فى صباى، وهو كتاب «الغاضبون» للكاتب الصحفى الراحل كامل زهيرى، وهو من الأساتذة الكبار الذين أتيحت لى فرصة نادرة للاقتراب منهم، ولا أزال أتذكره بكل خير، وأستغرب أن اسمه سقط سهوًا من ذاكرة المهنة.
المؤسف أكثر أنه اسمه غائب فى النقاش الدائر حول واقع الصحافة وحاجتنا إلى تحسين الشروط التى تعمل فيها، وعلى رأسها طبيعة العلاقة بين السلطة والصحافة، سواء تعلق الأمر بحدود حرية التعبير أو أشكال الملكية والتشريع.
يمثل كامل زهيرى وجهًا نادرًا من وجوه المهنة، إذ استطاع أن يحظى بمكانة فريدة بين أسطواتها وأساطيرها من أمثال إحسان عبدالقدوس وكامل الشناوى وجلال الدين الحمامصى والأخوين على ومصطفى أمين ومحمد حسنين هيكل وأحمد بهاء الدين وموسى صبرى.
وعلى خلاف بعض من عاصره من الكبار، لم يسعَ أبدًا لنيل منصب، أو بالأحرى لم يكن حصوله على منصب يعنى التخلى عن عاداته التى اكتسبها منذ بداياته كشاعر وفنان متمرد له مزاج سريالى يختلف عن الآخرين.
ظل الراحل فى حياته اليومية محافظًا على روح استثنائية فى التعاطى مع الشأن العام، كما لم يتوقف أبدًا عن التجول بحرية فى الأماكن التى يتواجد فيها المثقفون والصحفيون وصناع الرأى العام.
كانت مهمته الأولى إشاعة البهجة ورعاية من حوله باقتدار، إلى جانب الانخراط فى أحاديث لا تنتهى تجمع بين السياسة والثقافة والفن وتفاصيل الحياة اليومية، دون أن يشعر من حوله بلحظة ملل واحدة.
يحكى زهيرى بنفس درجة المهارة التى يتحرك بها راقص باليه على مسرح البولشوي، فكل حركة أو إيماءة ذات معنى، كما أن كل كلمة تمثل استجابة لإيقاع؛ فلم ينسَ أبدًا أنه بدأ شاعرًا.
تشبه جلساته متعة الخروج فى جولة حرة داخل حديقة بصحبة بستانى يعرف جميع أنواع الزهور، أو التسكع مع مرشد سياحى داخل مدن حافلة بالأزقة مثل المدن الإيطالية، فوراء كل خطوة سر، وخلف كل باب ألف حكاية تنتظر.
وقد يستغرب شباب الصحفيين اليوم وأنا أكتب عن صحفى بهذه المواصفات؛ يمكن أن تجده فى الصباح على شاشة التلفزيون فى صحبة رئيس الجمهورية، وفى المساء يجلس فى مقهى بسيط بوسط البلد، وحوله جمع من الناس يتحدث فيهم عن ذكرياته والتجارب التى عاشها فى شوارع القاهرة وبومباى وباريس، يروى مغامراته عن صداقات جمعته مع رسام بحجم محمود سعيد، وشاعر مثل صلاح عبدالصبور أو جورج حنين، وروائيين كبار مثل إحسان عبدالقدوس ونجيب محفوظ ويحيى حقى وتوفيق الحكيم، بل وطه حسين الذى يظهر أمامه فى الحلقة التلفزيونية التى تحاور فيها عميد الأدب العربى مع الأدباء الذين كانوا شبانًا آنذاك.
أهم ما فى كامل زهيرى أنه لم يعش الدور، ولم يحب الإقامة فى البرج العاجي، وإلى أن حانت وفاته عاش منخرطًا بين الناس، لذلك أدرك حاجاتهم دون عنجهية أو تعالٍ من أى نوع.
كما أن إيمانه بحرية الصحافة تجاوز عشقه للأدب والفنون، ولم يتخاذل عن خوض كل المعارك التى ارتبطت بها، إذ ساهم فى وضع قانون نقابة الصحفيين فى العام 1971، وانتخب نقيبًا للصحفيين لفترتين، الأولى من 1968 إلى 1971، والثانية من 1979 إلى 1981، وهى التجربة الأصعب التى خاض خلالها مواجهات عنيفة مع الرئيس السادات حول من يحق لهم عضوية النقابة، ثم انتخب رئيسًا لاتحاد الصحفيين العرب فى فترات ولايته النقابية، كما شارك بقوة فى معركة القانون 93 لسنة 95.
عرفت زهيرى فى بداية عملى الصحفى، بعد أن قمت بكتابة موضوع صحفى عن المعرض الوحيد الذى أقامه للوحات التى رسمها خلال مشواره الطويل، وبعد نشره بيوم واحد اتصل بمجلة الأهرام العربى التى أعمل فيها، على هاتف مكتب رئيس التحرير، إذ لم تكن الهواتف المحمولة قد شاعت بعد، وطلب منى فى نهاية المكالمة انتظار زوجته حتى تنزل من مكتبها فى الأهرام لتأخذنى إليه فى منزله لنتعارف وجها لوجه.
كنت أظن أن ما فعله معى هو الاستثناء، لكننى أدركت بعد أن توثقت علاقتى معه أنه يفعل ذلك مع كل صحفى يقرأ له موضوعًا يعجبه؛ فقد اعتاد أن يقرأ الطبعات الأولى من الصحف، وإذا أعجبه موضوع لا يعرف صاحبه، يجرى اتصالات متعددة حتى يصل إلى وسيلة للتواصل معه، لإبداء ملاحظة أو تقديم عبارة إعجاب، وكان يقول: «الحاجات دى بتفرق».
من حسن حظى أننى رافقته فى أول رحلة صحفية قمت بها خارج مصر، وكانت إلى سوريا، وهناك نشأت بيننا مودة صادقة غمرنى بها طوال حياته.
كنت أصحبه فى جولات داخل شوارع القاهرة بعد أن أصيب بمرض النقرس، وفى كل جولة يقول لى: «أنت ساحبى ولست صاحبى»، ثم صارت تلك العبارة كلمة سر بيننا إذا أراد الخروج، إذا كان يحدثنى وزوجته أمامه.
أكتب عن كامل زهيرى اليوم لأنبه إلى مسألتين، الأولى أن الذكرى المئوية لميلاده تحل فى مايو المقبل، وأتمنى أن تتبنى نقابة الصحفيين تنظيم احتفال يليق به وبدوره النقابى، أما المسألة الثانية فتخص مؤلفاته التى يندر الحصول عليها الآن بعد أن توقفت دور النشر الحكومية عن طباعتها، ومنها «مذاهب غريبة» و«ممنوع الهمس» و«أنا والنساء» و«مائة امرأة وامرأة» و«منازعات فى الديمقراطية» و«الاشتراكية» و«الصحافة بين المنح والمنع» و«الغاضبون» و«العالم من ثقب الباب» وأهم مؤلفاته بطبيعة الحال «النيل فى خطر»، الذى كان بمثابة وثيقة سبقت عصرها.