بين الردع والتعاون.. هل يمنع التنسيق التقنى مواجهة سيبرانية بين أمريكا والصين؟
دوريات أجنبية
آخر تحديث:
الثلاثاء 8 سبتمبر 2026 - 7:45 م
بتوقيت القاهرة
نشرت مجلة فورين بوليسى مقالا للكاتب شياو تشيان، يحث فيه على ضرورة استئناف الحوار الحكومى بين الولايات المتحدة والصين بشأن سلامة وأمان الذكاء الاصطناعى، وكيفية إدارة المخاطر المشتركة لهذه التقنية رغم التنافس الجيوسياسى وانعدام الثقة المتبادلة بين البلدين.. نعرض من المقال ما يلى:
خلال زيارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إلى بكين فى مايو الماضى، اتُّفق مع نظيره الصينى شى جين بينج على استئناف الحوار الحكومى المشترك حول الذكاء الاصطناعى. اكتسب هذا القرار أهمية بالغة، بالنظر إلى أن آخر حوار رسمى بين البلدين عُقد فى مايو 2024 إبان إدارة بايدن. وفى ظل الوتيرة المتسارعة لتطور هذه التقنية وتزايد الحوادث المتعلقة بالأنظمة المتقدمة، يُعد غياب التواصل الرسمى لأكثر من عامين بين أكبر قوتين فى هذا المجال أمرًا مثيرًا للتساؤل حول واحدة من أكثر تقنيات عصرنا تأثيرًا.
ولضمان نجاح هذا الحوار المتجدد، يتعين على الحكومتين التحرك بجدية وبثبات نحو أهداف محددة.
تظهر مؤشرات مشجعة على تقارب وجهات النظر بين البلدين حول قضية محورية: سلامة وأمان الذكاء الاصطناعى. فقد بدأ قادة مختبرات الذكاء الاصطناعى المتقدمة فى منطقة المحيط الهادئ يتحدثون بصراحة أكثر عن الاستعداد لعصر «الذكاء الاصطناعى العام» (AGI). وفى منشور له على منصة «Substack» فى يوليو الماضى، أكد ديميس هاسابيس، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذى ــ آنذاك ــ لشركة «Google DeepMind»، على «ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة المخاطر المحتملة مع الاقتراب من تحقيق الذكاء الاصطناعى العام».
وفى الصين، يتبلور توافق مماثل؛ إذ ناقش كل من ليانج وينفنج، الرئيس التنفيذى لشركة «DeepSeek»، وتانج جيه، الشريك المؤسس لشركة «Z.ai»، أبعاد الذكاء الاصطناعى العام علنًا، محددين أولويات التنمية طويلة الأجل، وتقييم أطر الأمان، والنشر المسئول. وبشكل عام، أبدى مجتمع الذكاء الاصطناعى فى الصين انخراطًا أكبر فى مناقشة قضايا الحوكمة.
على الصعيد الحكومى، صعدت قضايا أمان الذكاء الاصطناعى إلى صدارة الأجندات السياسية. ففى يونيو، أصدرت إدارة ترامب أمرًا تنفيذيًا ومذكرة صريحة بشأن أمن الذكاء الاصطناعى، أدرجت من خلالهما أمان هذه التقنية ضمن أطر الأمن القومي. وركزت الوثائق على إدارة المخاطر الناجمة عن الأنظمة المتقدمة ــ ولا سيما المتعلقة بالأمن السيبرانى، والبنية التحتية الحيوية، والتطبيقات العسكرية، والافتراس الرقمى ــ مع تعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص، وتقييم النماذج المتقدمة.
وفى مؤتمر عالم الذكاء الاصطناعى (WAIC) شانجهاى فى يوليو، خصص الرئيس الصينى شى جين بينج ركيزة أساسية من كلمته الافتتاحية لأمان الذكاء الاصطناعى، وصفًا إياه بـ «الأداة الموثوقة للبشرية»، وداعيًا إلى «تعزيز التوعية بالمخاطر لضمان كونه آمنًا وقابلًا للسيطرة»، وتطوير الأطر القانونية وآليات الإنذار المبكر، و«منع سوء الاستخدام لضمان بقائه تحت السيطرة البشرية».
فجوة الثقة وسلاسة التصعيد
تؤكد هذه التحركات إدراك البلدين للأبعاد الاستراتيجية لأمان الذكاء الاصطناعى. غير أن هذا التقارب المفهومى يصطدم بتصاعد الشكوك الاستراتيجية المتبادلة.
فقد أثارت انطلاقة «المنظمة العالمية للتعاون فى مجال الذكاء الاصطناعى» (WAICO) فى شانجهاى قلقًا فى أروقة السياسة الأمريكية، حيث فُسرت كخطوة صينية لمواجهة المبادرات الغربية، مما يعزز التنافس المؤسسى على حوكمة التقنية عالميًا. وتزامن ذلك مع سباق محموم على الصعيد التقنى؛ فبعد إطلاق نموذج «Kimi K3» من شركة «Moonshot AI»، سادت حالة من الذهول فى وادى السيليكون نتيجة اقتراب النماذج الصينية مفتوحة المصدر من قدرات النماذج الأمريكية المتقدمة، مما أثار سجالات فى واشنطن حول ما إذا كانت الشركات الصينية قد استخلصت قدراتها من النماذج الأمريكية. وعلى إثر ذلك، لمح وزير الخزانة الأمريكى سكوت بيسنت إلى فرض عقوبات على شركات الذكاء الاصطناعى الصينية، وهو ما قوبل بانتفاد حاد من وزارة التجارة الصينية التى وصفت الطرح بـ «الهيمنة التقنية وازدواجية المعايير».
ولم تقف الشكوك عند حدود الاقتصاد والتقنية، بل امتدت لتطال الأمن السيبرانى. إذ فرضت إدارة ترامب قيودًا ودققت فى المنتجات الصينية ــ مثل الروبوتات البشرية ومحولات الطاقة المتصلة بالشبكات ــ فى حين حددت «القاعدة الوطنية لبيانات الثغرات الأمنية فى الصين» ما وصفته بثغرة «باب خلفى» فى نموذج «Claude» التابع لشركة «Anthropic»، مما دفع شركة «على بابا» لحظر استخدامه داخليًا.
إن هذا النمط من الإجراءات المتبادلة يخلق دوامة من التصعيد تقوض أهداف الحوار المفترض استئنافه.
تناقضات السياسات ومساحات التوافق
يتزامن استئناف الحوار مع تناقضات واضحة فى سياسات الطرفين؛ ففى حين تبدى واشنطن اهتمامًا بمناقشة المخاطر المشتركة للنماذج المتقدمة، فإنها تعامل التطور التقنى الصينى كتهديد استراتيجى عبر توسيع نطاق العقوبات وضوابط التصدير. فى المقابل، تطالب بكين بتعاون تقنى جوهرى وتدعو للابتعاد عن التسييس، لكنها لم تطرح بعد أجندة علنية أو أهدافًا محددة للحوار، مما ترك زمام المبادرة وصياغة المحاور للجانب الأمريكى.
ومع ذلك، تبرز الحوادث التقنية أهمية التواصل؛ فقد أظهرت حادثة تسرب نموذج ذكاء اصطناعى تابع لـ «OpenAI» إلى بيئة «Hugging Face» واحتوائه بمساعدة نموذج صينى مفتوح المصدر أطورته شركة «Z.ai»، حقيقتين متلازمتين: تنامى قدرات الوكلاء المستقلين للذكاء الاصطناعى، والضرورة القصوى للتعاون الدولى عند وقوع أخطاء غير متوقعة.
لتجاوز التحديات، يمكن تحديد محاور الحوار استنادًا إلى أطر تقرير سلامة الذكاء الاصطناعى الدولى، والتى تقسم المخاطر إلى ثلاثة مجالات رئيسية:
- الاستخدام السيئ من قبل الفاعلين من غير الدول: ويشكل المجال الأكثر إمكانية لتحقيق تقدم سريع، بتركيزه على تقليل المخاطر السيبرانية والبيولوجية، وتحديد البنى التحتية الحيوية المحمية، ومكافحة التزييف العميق والاحتيال بالتنسيق مع الجهود الدولية.
- الأعطال والخروج عن السيطرة: يتطلب هذا المحور بناء توافق حول أساليب التقييم، واختبارات ما قبل النشر، وتأسيس مجموعات عمل تقنية مشتركة، إلى جانب حماية الممرات العلمية للباحثين بعيدًا عن التجاذبات السياسية والعواقب التنظيمية.
- المخاطر المنهجية والمجتمعية: يُعد التأثير على سوق العمل، والتعليم، وحماية الأطفال فى عصر الذكاء الاصطناعى، من أكثر المجالات راحة وأقلها حساسية سياسيًا، مما يجعله ساحة مناسبة لإبداء حسن النية بين الطرفين.
إدارة الأزمات.. بناء الخطوط الساخنة
مع زيادة استقلالية الأنظمة، قد تؤدى الأعطال التقنية البسيطة إلى تداعيات جيوسياسية خطيرة؛ إذ يمكن تفسير أى خطأ تقنى أو تحذير خاطئ كعمل هجومى متعمد، لا سيما فى أوقات التوتر الاستراتيجى وقلة المعلومات.
من هنا، تبرز الحاجة الملحة لإنشاء آليات اتصال مخصصة لطوارئ الذكاء الاصطناعى والإبلاغ عن الثغرات والسلوكيات غير المتوقعة للنماذج المتقدمة. ولتجسير «فجوة الخبرة والسلطة» ــ حيث تتمركز المعرفة التقنية لدى الشركات والجامعات بينما تكمن سلطة القرار لدى الحكومات ــ يمكن البدء بنقاط اتصال مخصصة للطوارئ بين الآجهزة المعنية كخطوة لبناء الثقة، لتتطور مستقبلًا إلى آليات مؤسسية لإدارة الأزمات.
ختاما، لن يؤدى الحوار الصينى ــ الأمريكى المتجدد إلى محو التنافس الاستراتيجى، ولا ينبغى انتظار ذلك منه. بل يجب أن تتركز أهدافه على تقليص سوء الفهم، وإدارة المخاطر المشتركة، وضمان عدم تحول السباق التقنى إلى أزمات يمكن تجنبها. وفى عصر تتجاوز فيه أنظمة الذكاء الاصطناعى الحدود الوطنية، يظل الحوار المستمر ضرورة استراتيجية لا غنى عنها.
إعداد: وفاء هانى عمر
النص الأصلي:
https://tinyurl.com/8crzjpsn