قراءة غير طائفية لحادثة «جومانة»
سامح فوزي
آخر تحديث:
الثلاثاء 8 سبتمبر 2026 - 7:20 م
بتوقيت القاهرة
ليست قضية «جومانة» طائفية، ويخطئ من يحشرها فى تلك الخانة، لأن ذلك يفقدها معانى كثيرة، ويربك النظرة العامة إليها. وقد سعدت أن محامى الفتاة كان من الحصافة بأن نفى البٌعد الطائفى عن القضية برمتها، واعتبرها مسألة قانونية، تمثل تجاوزًا فى حق طالبة فى حفل تخرجها، ترتب عليه حرمانها من فرحة التخرج، فضلا عما تركه فى نفسيتها من غصة. من هذا المنطلق لا يجب البحث عن «تعاطف» من المجتمع مع جومانة لكونها فتاة مسيحية تعرضت لذلك الموقف، لأن ما حدث معها يمكن أن يحدث مع أى فتاة مصرية، أيا كان معتقدها الدينى. وقد حدث بالفعل مرات عديدة. ويكفى أن ننظر إلى التعليقات على الفضاء الإلكترونى حتى نتبين أبعاد تلك القضية فى سياق أرحب.
بعيدًا عن محاولات التنابز الدينى، التى مارسها مسلمون ومسيحيون، بمناسبة تلك القضية، وليس بسببها بالضرورة، فإن مجمل التعليقات على وسائل التواصل الاجتماعى كشفت أن هناك مزاجا منغلقًا، محافظا، معاديًا للتنوع والحرية، يسعى إلى فرض الوصاية على المرأة، باعتبارها كائنا تابعًا، تُختزل فى ملابسها، والتى تختلف الآراء بشأنها. الدليل على ذلك التعليقات المتعصبة والتافهة تجاه المرأة، وإدانتها عندما تكون ضحية فى أحداث كثيرة، ومحاولة تبرير سلوك الجاني- الذكر- رغم ثبوت فعله الأثيم. فى قضايا التحرش الجنسي، نجد نزوعا عند البعض إلى تبرير سلوك الجانى باعتبار أن ملابس المرأة تثير غرائزه، ولكن هؤلاء يصمتون أمام شكاوى السيدات المحجبات والمنتقبات تجاه تعرضهن أحيانا إلى التحرش، فعلا ولفظا. وتصل الحماقة إلى تبرير سلوك الجانى عندما تكون المرأة ضحية قتل أو اعتداء بالضرب أو التحرش بكل صوره، ويظل هؤلاء الحمقى يبحثون عن الدوافع التى أدت إلى قيام رجل بقتل امرأة أو الاعتداء عليها، ويتجاهلون أن ما قام به هو فعل مؤثم قانونا، أيا كانت دوافعه. أكثر من ذلك، يسعى المتطفلون المتزمتون إلى التعليق على سلوكيات الناس بطريقة تخلو من الأدب والاحترام، ولا زلنا نتذكر كيف أن طبيبة تتحدث فى العلاقات بين الزوجين لاكت الألسنة بسفه زفاف ابنتها، رغم أنها مناسبة خاصة، لا تخص سوى أصحابها.
ومما كان ملفتا ارتداء جومانة نفس الفستان الذى اعترض عليه ذلك المسئول الجامعى، يوم أن دعاها رئيس الجامعة التى تنتمى إليها لتكريمها، ومنحها بنفسه شهادة تخرجها، وأظهر مشاعر طيبة وأبوية تجاهها فى حضور الأهل والأصدقاء، وهو ما أسكت الألسنة التى خاضت كثيرا فى سلوكها، واتهمتها بالعرى، وربطت ملابسها بوقار حفلات التخرج، وهو بالفعل مطلب مشروع، لكنه لا يتصل بفستان الطالبة الذى ثار الجدل حوله.
تكشف تلك القصة الحزينة عن وجود اتجاهات شديدة المحافظة فى المجتمع، تريد صياغة العلاقات الاجتماعية وفق تصوراتها، لا فرق فى ذلك بين مسيحى ومسلم، لأن هناك أحداثا أخرى وجهت فيها أسهم الإدانة إلى سيدات مسلمات بسبب ملابسهن أو سلوكهن أو حديثهن العام، وهو توجه ينبغى أن نكون على وعى بأنه يمثل حاضنة اجتماعية للتزمت والتطرف، لأن المشروع السياسى للتطرف يستند إلى حاضنة اجتماعية، والسبيل إلى تلك الحاضنة هى السيطرة على المرأة، ملبسا وفكرا وسلوكا، واختصار كيانها فى جسد ينبغى السيطرة عليه. بالتأكيد الوقار ضرورة، والظهور بالملابس اللائقة عنوان رقى المجتمعات، ولست شخصيا أرحب بالعرى أو التبرج الزائد عن الحد، لأنه فى رأيى تعبير عن الابتذال أكثر من كونه عنوانًا للشياكة.
وإلى الذين ينشغلون بملابس المرأة أقول: المظهر يتصل دائما بالجوهر. فإذا أراد المجتمع أن يرتقى بمظهر الناس الخارجي، البداية تكون بتهذيب أخلاقهم، ورفع منسوب التدين الحقيقى لديهم، فى تلك الحالة سيكون الشكل الخارجى انعكاسا طبيعيًا لما يستقر داخل المرء من قيم ومبادئ ومشاعر نقية، لأن الإصرار على إسدال ستار الحشمة على المظهر الخارجى دون تدين داخلى أو ثقافة إنسانية ليس إلا نفاقًا فى مجتمع لا يحتاج إلى مزيد من النفاق.