أمريكا أولًا أم ترامب أولًا؟

محمد المنشاوي
محمد المنشاوي

آخر تحديث: الخميس 8 أكتوبر 2020 - 7:00 م بتوقيت القاهرة

أسكن على بُعد عدة دقائق من مستشفى والتر ريد العسكرى حيث مكث الرئيس دونالد ترامب مصابا بفيروس كورونا لثلاث ليالٍ الأسبوع الماضى. وتجمع العشرات من أنصار الرئيس ترامب أمام المستشفى الذى يقع فى مدينة بيسيزدا بمقاطعة مونتجومرى المجاورة للعاصمة واشنطن.
واستغل الرئيس ترامب إصابته بالفيروس لإعادة الحياة لحملته الانتخابية التى ظن الكثيرون أنها منتهية خاصة بعدما كشفت صحيفة نيويورك تايمز عن تهرب ترامب الضريبى، وما تبعها من أداء شديد السوء فى المناظرة الرئاسية الأولى قبل أسبوعين.
ونجح ترامب فى بث الحماس لقواعده الانتخابية التى لم يتأثر ولاؤها لترامب على الرغم من إصابة 7.5 مليون أمريكى ووفاة 211 ألفا آخرين حتى نهاية يوم الثلاثاء الماضى، ويرجع البعض ارتفاع نسب الإصابات والوفيات إلى سوء إدارة الرئيس ترامب للجائحة.
ترامب لم يتفرغ للعلاج، وعمل من داخل الجناح الرئاسى بالمستشفى وغرد ونشر فيديوهات يتحدث فيها عن حالته وإنجازاته وحملته الانتخابية.
ولا يعرف بعد ما إذا كانت إصابة ترامب نفسه بفيروس كورونا ستدفع إلى التعاطف معه من الناخبين والاقتراب منه للتعرف على ترامب الرجل المسن ذى الـ 74 عاما وترامب الأب لخمسة أبناء أصغرهم لا يزال طالبا فى مدرسة متوسطة بعمر لا يتجاوز 14 عاما.
وعلى النقيض يتوقع البعض أن تضر إصابة ترامب بحظوظه الانتخابية (فى حالة استكمال شفائه ونجاته من تبعات التدهور فى الصحة) وذلك بسبب استهتاره المتكرر بخطورة الفيروس.
وتركت طريقة خروج الرئيس ترامب من المستشفى عائدا للبيت الأبيض انطباعا أن كل ما يقوم به ترامب حتى إصابته بمرض خطير، يستغله فى حملة إعادة انتخابه.
خرج ترامب أثناء تواجده بالمستشفى لتحية أنصاره متجاهلا كل قواعد الاحترازات اللازمة، وهو ما عرض حياة آخرين للخطر.
ولم يختلف ذات السلوك عما اتبعه ترامب خلال الأسبوعين الأخيرين من عدم ارتداء قناع وجه وعدم الالتزام بقواعد التباعد الاجتماعى، وهو ما أدى لنشر عدوى الفيروس بين العاملين بالبيت الأبيض ومن حضروا مناسبة ترشيح القاضية إيمى كونى برايت للمحكمة الدستورية العليا.
وسيكون كابوسا سياسيا كارثيا إذا توفى أحد مساعديه أو مستشاريه ممن أصابتهم العدوى فى الفعاليات التى شارك فيها ترامب.

***

عندما جاء ترامب مغردا من خارج المؤسسات السياسية الأمريكية ليطيح بكل القواعد الثابتة ويصبح الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة، تبنى ترامب مبدأ أمريكا أولا.
اعتمد ترامب على خطاب سياسى يقوم على مبدأ «أمريكا أولا». ففى خطابه الأول خلال مراسم تنصيبه رئيسا للولايات المتحدة فى العشرين من يناير 2017، قال ترامب: «إن لاحتفال اليوم معنى خاصا جدا، لأننا اليوم، لا نقوم بمجرد نقل للسلطة من إدارة إلى أخرى، أو من طرف إلى آخر، لكننا ننقل السلطة من واشنطن، ونعطيها إليكم مرة أخرى، نعطيها للشعب». وقد مثل خطاب ترامب الرسمى الأول تدشينا لرؤية شعبوية أمريكية تنادى «بأمريكا أولا»، معتمدة على صيغة تلائم القرن الواحد والعشرين، مركزة على قصور وسلبيات ونتائج ظاهرة العولمة التى وجهتها وقادتها بالأساس الولايات المتحدة، سواء تحت حكم الجمهوريين أو الديمقراطيين خلال العقود الأخيرة.
لكن وخلال حملته الرئاسية الثانية، غير ترامب مبدأ حملته الانتخابية ليصبح «ترامب أولا».
وما بين، أمريكا أولا وترامب أولا، أوضاع مضطربة تعيشها الولايات المتحدة وتؤثر تبعاتها على كل أركان العالم.
***
خرج ترامب من الطائرة المروحية التى أقلته للبيت الأبيض ملوحا للكاميرات بعلامات النصر ومؤديا التحية العسكرية من شرفة البيت الأبيض بعدما خلع كمامة الوجه.
ونشر ترامب فيديو عقب عودته للبيت الأبيض قال فيه «سوف نعود للعمل، قائدا لكم، على فعل ذلك، أعلم أن هناك مخاطرة فى ذلك ولكن على أن أفعل ذلك».
ونصح ترامب الأمريكيين بالخروج ومحاربة العزل المفروض فى بعض القطاعات، وقال «لا تسمحوا للفيروس بأن يسيطر عليكم، أخرجوا وكونوا حريصين».
ونجح ترامب فى الاستحواذ على اهتمام الإعلام العالمى الذى راقب تحركاته دقيقة بدقيقة. أراد ترامب أن يبدو فى مظهر رجل قوى قهر الفيروس الأخطر فى تاريخ البشر. ومنذ إعلان ترامب عن إصابته بفيروس كورونا فى الساعات الأولى من يوم الجمعة الماضى، اختفت أخبار منافسه الديمقراطى جو بايدن بصورة كبيرة.
***
يُعد منصب رئيس الولايات المتحدة أهم منصب سياسى فى العالم والأكثر خطورة، شئنا أم أبينا، تؤثر طبيعة الرئيس وشخصيته فى أحوال البشر حول العالم بطرق مباشرة أو طرق غير مباشرة.
وتجرى الانتخابات للمرة الأولى فى التاريخ فى ظل استمرار مواجهة انتشار فيروس كورونا المستجد، وهو ما دفع بإلغاء المؤتمرات القومية للحزبين الديمقراطى والجمهورى، والاقتصار على فعاليات محدودة جدا، إضافة إلى تهديد انعقاد المناظرات الرئاسية، والصراع الحاد حول طريقة التصويت بالبريد على خلفية زيادة المخاوف الصحية، وهو ما دفع ترامب للتشكيك المبكر فى نتائجها، وعدم التعهد باحترام النتائج النهائية.
لا يحرك أى سياسى أمريكى فيما يخرج منه من مواقف أو سياسات أو تغريدات سوى خدمة هدف إعادة انتخابه، ولا يعد ترامب استثناء فى هذا المجال.
حكم ترامب سنوات أربع كانت الأكثر إثارة فى تاريخ أمريكا الحديث، وضاعف من إثارة آخر سنواتها وصول فيروس كورونا إلى الولايات المتحدة ليقلب الأوضاع الصحية والاقتصادية والسياسية رأسا على عقب، إذ قسم التاريخ الرئاسى إلى مرحلتى «ترامب وأمريكا قبل الكورونا»، و«ترامب وأمريكا أثناء الكورونا»، ولا أحد يعرف بعد متى ستبدأ مرحلة «أمريكا ما بعد الكورونا» ولا نعرف بعد إذا ما كان ترامب سيكون جزءا من هذا المستقبل، أم سيكون رئيسا سابقا.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved