السينمات العربية الجديدة إذ تعود من بوابة المهرجانات المضطربة (1 من 3)
إبراهيم العريس
آخر تحديث:
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 7:40 م
بتوقيت القاهرة
إذا كان المهرجان الذى شهدته مدينة الدار البيضاء قبل شهرين ونيف للسينما العربية قد أغلق الموسم المهرجانى السينمائى للعام المنصرم 2026، فمن المؤكد أن الدورة التاسعة التى ستنطلق فى الأسبوع المقبل لمهرجان الجونة على شاطئ البحر الأحمر، جديرة بأن تعتبر، فى نظر أهل السينما على الأقل، مفتاحا للموسم المهرجانى الجديد.
والحقيقة أن لا شىء كان من شأنه أن يدفع إلى التفكير بأن الأحداث الجارية فى المقلب الآخر من هذا البحر نفسه، إلى أقصى جنوبه، من شأنها أن تلغى الدورة أو تؤجلها. ولكن فى المقابل وفى الجهة المقابلة من البحر نفسه، الجهة السعودية، أتى النبأ صاعقا، حتى وإن كان متوقعا: ما إن شهدت الأراضى السعودية سقوط مقذوفات إرهابية منطلقة من مناطق التمرد الحوثى فى اليمن، حتى سارعت السلطات إلى إعلان تأجيل الدورة الجديدة لواحد من أكبر المهرجانات السينمائية العربية على الإطلاق: مهرجان البحر الأحمر تحديدا، الذى ينظر إليه السعوديون المتنورون على اعتبار أنه «فخر الصناعة المحلية»، وسلاحهم الأمضى فى تزعم النشاطات السينمائية فى طول العالم العربى وعرضه.
مهرجان البحر الأحمر فى مدينة جدة، الذى لم تتمكن ضغوطات ما حدث فى غزة طوال العامين الفائتين ولا انتشار الكورونا قبل ذلك، ولا تبدل قيادات المهرجان دورة بعد دورة، تمكنت أحداث باب المندب من أن تلغيه لهذا العام أمام شجن السينمائيين وخيبة آمالهم. ومن هنا تضافرت أخبار ثلاثة متفاوتة الوقع والأهمية متزامنة مع افتتاح الموسم المهرجانى الجديد؛ إذ أضيف إلى افتتاح «الجونة» وتأجيل «البحر الأحمر» ما يتعلق بتلك الآمال السينمائية المستعادة باستئناف ذلك النشاط الإبداعى الكبير بزخم متجدد، إذ استُعيد فى الوقت نفسه نشاط مهرجان... فى دبى، التى بات مهرجانها الكبير القديم أثرا من تراث الماضى ينظر إليه السينمائيون بقدر هائل من الحنين.
إذا، فى اختصار، ها هو «الجونة» فى مصر يفتتح موسما يبدو متعثرا، وليس فقط بسبب تأجيل «البحر الأحمر»، وواعدا من جراء «عودة دبى».
فالحقيقة أن الأدهى من ذلك هو ما يمكن رصده عاما بعد عام، ومن خلال تأمل ما قد يقارب الدرزينتين من مهرجانات سينمائية محلية أو عربية أو عالمية حتى تشهدها مدن عربية أو مدن يتواجد فيها جمهور عربى لا يتوانى عن الابتعاد ولو لساعات قليلة عن أجهزته التلفزيونية للتوجه لمشاهدة فيلم سينمائى حقيقى فى هذه المدينة أو تلك. الأدهى هو أن عدد الأفلام العربية على أية حال التى يبدو هذا الجمهور، فى الداخل وفى الخارج، مدعوا لمشاهدتها، لا يزيد كثيرا عن عدد المتفرجين. ولكنه يقل بشكل «فاضح» عن أعداد المدعوين بصفة «ناقد» فى بطاقة تخول حاملها التنقل بين مهرجان وآخر دون أن يتنبه أحد إلى صدقية وجدية المرجع الذى يصدر هذه «البطاقة» على أية حال!
هذا الواقع قد يبدو مضحكا فى نهاية الأمر بالنسبة إلى من يجد تسلية ما فى تأمل ملصق تصدره منظمة تطلق على نفسها ما يفيد أنها مختصة بشئون السينما العربية، فتمنح جائزة سنوية فى مطعم مستأجر، خلال مهرجان كان، لمن يعتبره عشرات من الأفراد المنشورة صورهم بوصفهم «نقادا» على طول هذا الملصق وعرضه، دون أن يخبرنا أحد كيف صاروا نقادا واستنادا إلى أية معايير، وبناءً على أية مؤلفات!
هؤلاء أنفسهم، أو أولئك منهم الذين قد يحالفهم حظ ما، وعلاقات عامة ما، وارتباطات معينة، هم اليوم الجمهور الأساسى للعديد من تلك المهرجانات، ولا سيما منها تلك المقامة فى مدن أوروبية كريمة لا تتورع عن تمويل تلك المناسبات معتقدة أنها بمثل تلك الأريحية تحارب الإرهاب العربى - الإسلامى المتصاعد!
حسنا، نكتفى بهذا القدر من الحديث عن هذه المسألة التى تجعل السينما، وربما كغزة وفلسطين وإن بدرجة أضيق وأكثر إثارة للسخرية، مشجبا تعلق عليه أمور كثيرة فى السينما هذه المرة، ونعود إلى الجانب الأكثر جدية من هذا الموضوع نفسه: إلى الافتتاح المشروع للموسم فى تلك البلدة البديعة المسترخية طوال أيام مهرجانها السينمائى على كتف البحر الأحمر. افتتاح «الجونة» الذى يعيد السينما من جديد إلى الواجهة، وبكل الزخم الذى يلفت النظر حقا؛ كيف أن مؤسس المهرجان، السينمائى العراقى انتشال التميمى، أسس له من القواعد ما يجعل تواصله عاما بعد عام مضمونا ومنتظرا من مئات من أهل السينما الذين يحركون لمدة عشرة أيام تلك المنطقة الساحرة - والساحرة رغم رياحها العاتية - إلى واحة إبداع وجمال فى منأى عن العالم المجنون المنتشر من حولها.
إذا، وكما توقعنا منذ الدورة الأولى، ها هو «الجونة» يعود بدءا من الأسبوع المقبل، لا ليواصل ما بدأه فى دورته الأولى فقط، من تحويل رقعة البلدة إلى فضاء سينمائى مدهش يتأرجح بين نمط «كانى» (نسبة إلى مهرجان «كان» فى الجنوب الفرنسى) و«سان دانسى» (نسبة إلى مهرجان ساندانس لسينما المؤلف فى أمريكا)، ويجعل من الاهتمام بالسينما - فى تأرجح بين سينما المؤلف وسينما النجوم وصخبهم - مرآة لأحوال السينما فى العالم وتعبيرا عن متطلبات أبرز السينمائيين العرب، ولا سيما المصريين، لا لمواصلة هذا وحسب، بل أكثر من ذلك لمواصلة كون هذا المهرجان قدوة ودرسا فى تنظيم المهرجانات السينمائية، وهو أمر لن يضجرنا ترديده مرة بعد مرة، نقلا عن السينمائى المرموق محمد حفظى، الذى حين تسلم ذات حقبة مقدرات مهرجان القاهرة السينمائى الدولى العريق، همس لنا بأنه إنما أقدم على ذلك انطلاقا من الدروس التنظيمية والإبداعية التى تلمسها من خلال حضوره «الجونة» عاما بعد عام.
وهو يكاد يكون نفس ما يخطر فى بال نجمنا الكبير حسين فهمى وهو يتابع، للعام الرابع على التوالى، ترؤسه المهرجان القاهرى العريق معيدا له رونقا كان قد خبا فى دورات عديدة منذ رحيل مؤسسه الثانى الكبير، سعد الدين وهبة، والذى كان حفظى نفسه مستعيدا تجربة «الجونة» كما أشرنا، ولكن أيضا تجربة الناقد الراحل سمير فريد فى دورة وحيدة قادها قبل رحيله بسنوات فى المهرجان القاهرى نفسه، مستعيدا أمجادا للقاهرة الدولى لا شك أن معجزة ما كانت وراء استعادتها منذ سنوات قليلة، ليعيد إلى القاهرة رونقا مهرجانيا سينمائيا لا يخلو الأمر من أفراد يضعون العصى فى دواليبه، لكنهم لا ينجحون فى وأده لحسن الحظ، كما سنسهب تفصيلا فى كلام لاحق يجده قارئنا المهتم فى هذه العودة الموسمية من قبلنا هنا إلى ذلك النشاط الفنى العربى الذى يكاد يكون من أبرز ما تشهده مدننا العربية، ومصر هنا بالتحديد، إلى جانب معارض الكتب التى تنطلق بدورها فى موسمها الجديد مزدحمة بأحدث الإنتاجات وأكثر الحضور الجماهيرى صخبا، ولكن طارحة علينا، فى مجال الكتب كما فى مجال الأفلام، سؤال الجدوى والجدة والجدية بأكثر الأفكار إثارة للحيرة وسط تزاحم الحروب ومعضلات الذكاء الاصطناعى، وتفاهات ذلك التهافت المسمى نقدا وثقافة على شاشات الفيسبوك التى تكاد لا تبقى للإبداع الحقيقى أكثر من فتات لا يحتاج حتى إلى رياح قوية ليتطاير فقاعات فى الهواء. وهو ما سنعود إليه فى الأسبوع المقبل على أية حال.