جيل الأساتذة

نيفين مسعد
نيفين مسعد

آخر تحديث: الخميس 8 أكتوبر 2026 - 7:50 م بتوقيت القاهرة

أعطِنى تعليمًا جيدًا أسلمُك جيلًا راقى الفكر والسلوك، هذه قاعدة مختبرة ومجربة وناجحة. ومن حسن الحظ أننى تتلمذت على أيدى بعض قامات هذا الجيل سواء على مستوى التعليم ما قبل الجامعى أو على مستوى التعليم الجامعى.

قد يكون بعض أستاذتى العِظام فى المستوى الأول غير معروفين على نطاق واسع، لكننى أدين لهم بقيم كثيرة جدًا أهمها احترام العلم واحتراف القراءة. ولن أنس أن أول مرة تعرّفت فيها على فكر أستاذ الفلسفة الكبير الدكتور زكريا إبراهيم كانت على يد أستاذى مخلص جاد الله مدرس الفلسفة والمنطق وعلم النفس.

دفع لى أستاذى رحمة الله عليه بثلاث من المشكلات التى قام المؤلّف بتشريحها عن الحياة والحرية والحب لأقرأها وأنا فى الصف الثانى الثانوى، فخشيتُ من التجربة وترددتُ وتهرَبتُ ثم قرأتُ وتعلّمتُ وأتبعَتُ ذلك بقراءة بعض كتب الفيلسوف الكبير الدكتور زكى نجيب محمود. الآن أشعرُ بغصّة شديدة جدًا بسبب إلغاء مادة الفلسفة، وإلغاؤها يعنى أن التفكير غير مهم، وأن السجال تضييع للوقت، وأن فصّ المخ الشمال حيث الأرقام والحسابات والخوارزميات هو وحده المهم. إلغاء الفلسفة معناه تعطيل نُص المخ.


• • •
فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة انفتح أمام أبناء جيلى الباب واسعًا لمواصلة التعلّم على أيدى نخبة من الأساتذة الأعلام تركوا فينا أثرًا بل آثارًا لا زالت مطبوعة فى أذهاننا حتى هذه اللحظة. سمح عدد الطلاب المحدود بعلاقة مباشرة ووثيقة بيننا وبين أساتذتنا كأننا أسرة واحدة، وحتى مَن كنّا نخشاهم ونتوارى منهم بالجلوس فى آخر صّف نعترف لهم بالفضل فى تعليمنا كما ينبغى للعلم أن يكون. إنها قائمة طويلة من الأسماء المحترمة التى حين تتراصّ إلى جانب بعضها البعض فإنها تخضّ.


• • •
لم تُتَح لى فرصة التتلمّذ على يد الدكتور مصطفى كامل السيّد وهو الأستاذ بألف ولام التعريف، والعابر للتخصصات الذى يتقاطع عنده الفكر السياسى مع النظرية السياسية مع السياسة المقارنة مع الاقتصاد السياسى مع حقوق الإنسان.

فعندما عاد من چنيڤ حاملًا درجة الدكتوراه من المعهد الدولى للدراسات الدولية فى موضوع "انعدام المساواة الاجتماعية والاحتجاج الجماعى فى دول الجنوب"، كنتُ قد أوشَكت على الانتهاء من السنة التمهيدية للماچستير فى عام ١٩٧٩.

لكن فيما بعد عملتُ معه فى أطر مختلفة، بعضها كان إطار مركز البحوث والدراسات السياسية الذى كان بمثابة منارة فكرية حقيقية داخل كلية الاقتصاد والعلوم السياسية. ففى مؤتمره السنوى كان يشارك كبار المسئولين والشخصيات العامة من كل الاتجاهات، وفى النهاية كان يتم نشر بحوثه ومناقشاته القيّمة فى كتاب ضخم كنّا نسميه "كتاب المؤتمر". وفى إطار الندوات المصرية-الفرنسية التى كان ينظمها المركز اشتغلت لأول مرة مع الدكتور مصطفى كامل السيد. كان يشارك فيها بأبحاثه العميقة، ويبذل جهدًا فائقًا فى تحرير بعض الكتب الصادرة عنها، وكنت أتولّى مهمة التنسيق لعددٍ من تلك الندوات والمساعدة أحيانًا فى الترجمة من الفرنسية للعربية لينتقل للقارئ فى البلدين مضمون الفكر بروح اللغة التى يفهمها لا بحَرفيتها.

وعندما أصبح الأستاذ مديرًا لمركز بحوث ودراسات الدول النامية فى الكلية، أضيفت خلية نحل جديدة للمجال البحثى، ولهذا المركز يعود الفضل فى تدريب جيل من الباحثين الشباب على مهارات البحث العلمى والاهتمام بقضايا الجنوب. وهنا نلاحظ أن الرجل لم يفقد اهتمامه قط لا بقضية التنمية ولا تحديدًا بقضية العدالة الاجتماعية التى بدت كما لو كانت هدفًا أسمى يطارده منذ كتب عنها رسالته للدكتوراه. وفى عام ٢٠٠٩ صار هو المؤلّف الرئيسى لتقرير التنمية الإنسانية العربية الخامس وتشرّفت بكتابة إحدى الأوراق الخلفية عن أمن الجماعات الهشة والضعيفة فى العالم العربى، وقد كنتُ مهددةً بعدم المشاركة فى التقرير بعد أن تأخرتُ فى كتابة الورقة كالمعتاد.

وكان ضياع هذه الفرصة من شأنه أن يمثّل خسارة علمية فادحة بالنسبة لى لكن ربنا ستر، فالتقرير منذ صدوره الأول وهو حديث العالم كله، وكان سقف الحرية فيه عاليًا جدًا إلى الحد الذى تسبب لاحقًا فى توقفه عن الصدور. المهم أن هذا الأستاذ عَبْرَ كل التجارب وكل السنين وكل الأجيال ستجد أن كل مَن احتكَ به سواء فى جامعة القاهرة أو فى الجامعة الأمريكية بالقاهرة أو فى أى من كبريات الجامعات الأوروبية- يجمع على أنه أستاذ موسوعى الثقافة، شديد الجديّة، فائق الالتزام، يقدّس قيمة العلم، يحترم آراء طلابه، يتفانى فى عمله إلى حد الذوبان.
• • •
لماذا أكتب عنه اليوم؟ للعام الثانى على التوالى يدرّس الدكتور مصطفى كامل السيد لطالب واحد فقط مقرر النظرية السياسية فى مرحلة الدراسات العليا. يتعامل مع الطالب الواحد كأنه مائة طالب، فالحق فى التعليم لا شأن له بالعدد.

ينزل من بيته فى مصر الجديدة ويتجه إلى جامعة القاهرة يوم الإثنين من كل أسبوع لمدة ثلاث ساعات يلتقى فيها مع طالبه النجيب. يهاجمه دور الحساسية الموسمية بحدّة فلا يتغيّب عن محاضراته قط، فقط عندما يشتد عليه الدور ينتقل للتدريس عبر الزووم محاضرة أو اثنتين ثم يعود ليحاضر طالبه وجهًا لوجه. يعطيه استراحة قصيرة فى منتصف الوقت، ثم يستأنف مناقشته ويحرّضه على الحوار.

يذكر الأستاذ للجميع أن للطالب فضلًا عليه، فبدونه ربما ما قرأ أكثر واستعد لمحاضرته أكثر، فأى نموذج من الأساتذة يقدمه لنا هذا الرجل؟ لا يتاجر بعلمه ولا يخفى رأيه، فما يقوله داخل مدرّج الجامعة هو نفسه ما يحاول التعبير عنه فى الصحف، وما لم تتسّع له الصحف مارسه داخل حركة ٩ مارس أو فى حزب التحالف الشعبى الاشتراكى أو فى إطار الحركة المدنية أو فى جلسات الحوار الوطنى كنائب لمقرّر المحور السياسى. إنه ابن محافظة الشرقية الذى أجاد تضفير الثقافتين العربية والغربية بسلاسة تامة، فقائمة صداقاته تضّم من بساتين الشرق والغرب باقات كثيرة.

وهو نتاج المنظومة التعليمية المتميّزة التى أتاحت له أن يتكلم بلسانٍ عربيٍ فصيحٍ ويمتلك ناصية اللغتين الإنجليزية والفرنسية فيكتب بهما ويدرّس. إنه أوّل الثانوية العامة عام ١٩٦٣ على مستوى الجمهورية الذى تعلّق بالسياسة وأراد الانضمام لمنظمة الشباب ككثيرٍ من أبناء جيله، فحيل بينه وبين عضوية المنظمة لأنه يناقش أكثر مما يجب وينتقد أكثر من المسموح. وهو بالتأكيد الأستاذ الذى لن تجد تحت شقته سيارة فارهة آخر موديل لكنك تثق ثقةً تامةً فى أن على رفّ مكتبته يوجد أحدث كتاب فى مجال تخصصه والأدق القول: مجالات تخصصاته المتعددة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved