جيلٌ أمريكى جديد يعيد تعريف المواطنة
سمير العيطة
آخر تحديث:
الأحد 8 نوفمبر 2026 - 7:31 م
بتوقيت القاهرة
لا تكمن أهمية «التسونامى» السياسى الذى وُصفت به نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية فى فوز مسلمين أو نساء ورجال من أصول إفريقية أو لاتينية أو من السكان الأصليين فحسب، بل فى الخطاب السياسى الذى حمله عددٌ من هؤلاء الفائزين، واستطاعوا من خلاله كسب ثقة الناخبين، على الرغم من الأموال الطائلة التى أُنفقت لمحاولة هزيمتهم. إنّه خطاب يعيد طرح أسئلة أساسية حول معنى المواطنة المتساوية، ودور الدولة فى تحقيق العدالة الاجتماعية، وهيمنة المال على السياسة، والمسئولية الأخلاقية للولايات المتحدة تجاه ما يجرى فى العالم.
• • •
ففى تكساس، فاز جيمس تالاريكو بمقعد مجلس الشيوخ فى مواجهة حملة جمهورية حظيت بدعم مالى كبير من إيلون ماسك. وكان لافتًا أنّ هذا السياسى المسيحى، الذى يدرس اللاهوت، جعل من القيم الدينية منطلقًا للدفاع عن المساواة الإنسانية، لا لتبرير التمييز بين الناس. ففى حديثه عن مأساة غزّة، قال: «صرختُ فى وجه الله بسبب الأطفال الجائعين، إلى أن أدركتُ أن هؤلاء الأطفال الجائعين كانوا صرخة الله الموجّهة إلىّ.. إن الله يصرخ فى وجهنا جميعًا فى غزّة والضفة الغربية. وعلينا أن نصغى إلى هذه الصرخات، لأنها تتطلب منا أن نتحرّك». وأضاف: «كلّ البشر خُلقوا على الصورة الإلهية، وهذا يعنى أن لكل إنسان القيمة نفسها».
ولم يكن تالاريكو وحيدًا فى هذا الموقف. فقد صرّح تروى جاكسون، الفائز بمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ماين، بأن «كلّ من يمتلك عينين وقلبًا يعرف أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية فى غزّة. يجب أن يتوقّف ذلك، ونحن الأمريكيون نملك القدرة على إيقافه». أما براد لاندر، السياسى اليهودى الفائز بمقعد الدائرة العاشرة فى نيويورك، فقد عارض نفوذ لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك)، وأعلن أنه «لا يمكننا الاستمرار فى التواطؤ فى الإبادة الجماعية».
ولعلّ الأهم أنّ قضية غزّة لم تُطرح فى هذه الخطابات بوصفها قضية سياسة خارجية فحسب، بل ارتبطت بمفهوم أوسع للمساواة فى الحقوق، داخل الولايات المتحدة وخارجها. فقد أكد كريس راب، الفائز عن بنسلفانيا، أنه «لا ينبغى لأيّة دولة أن تقيم تراتبية بين الناس على أساس دينهم»، فى معرض حديثه عن حقوق الفلسطينيين والإسرائيليين.
لكنّ المعركة الأساسية لهؤلاء المرشحين دارت حول معنى المواطنة الأمريكية ذاتها، فى مواجهة تصاعد النزعات القومية الدينية والتمييز ضد المهاجرين والأقليات. فقد رفض تالاريكو أن تكون الولايات المتحدة دولة تقوم على هوية دينية واحدة، قائلًا: «أمريكا ليست أمة مسيحية، بل أمة يتمتع فيها المرء بحرية أن يكون مسيحيًا أو مسلمًا أو يهوديًا أو هندوسيًا أو سيخيًا أو بوذيًا أو لاأدريًا أو ملحدًا». وأضاف: «لا يمكنك أن تحبّ الله وتكره الآخرين. لا يمكنك أن تحب الله وتسيء إلى المهاجر، أو تتنمّر على المهمّش، أو تضطهد الفقير». وحذّر من أن «أخطر أشكال الحكم هى تلك التى ترفع دينًا فوق سائر الأديان».
• • •
وإذا كان تالاريكو قد استند إلى قناعاته اللاهوتية للدفاع عن المساواة، فإن عبد الرحمن السيد، الأمريكى المسلم الفائز بمقعد مجلس الشيوخ عن ميشيغان، اختار الانطلاق من الدستور وحياد الدولة تجاه الأديان. ففى ردّه على ناخب شكّك فى ولائه بسبب إسلامه، قال: «أنا لا أترشح لأكون سيناتورًا مسلمًا. أنا أترشح لمجلس الشيوخ الأمريكي، ويصادف أننى مسلم». وأردف: «لدينا دستور، وهذا الدستور يضمن لك الحق فى أن تعيش وفق إيمانك، ويضمن لى الحق نفسه». واستحضر تجربة جون كينيدي، الذى واجه فى زمانه تشكيكًا فى ولائه للولايات المتحدة بسبب كاثوليكيته. ثم لخّص جوهر موقفه بالقول: «إنهم يريدون أمريكا تضيق ببعضنا، ونحن نعلم أن أمريكا تتّسع لنا جميعًا».
هكذا يلتقى خطابان مختلفان، أحدهما ينطلق من الإيمان الدينى والآخر من المبادئ الدستورية، عند فكرة واحدة: أن المواطنة ليست امتيازًا تمنحه الأغلبية الدينية أو الإثنية، بل حق متساوٍ لجميع المواطنين.
غير أن المساواة السياسية لا تنفصل، فى نظر هذا التيار الصاعد، عن المساواة فى الفرص والحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وهنا يظهر بُعد ثالث فى هذا الخطاب: مواجهة هيمنة المليارديرات والشركات الكبرى على الحياة السياسية.
فقد أعلنت بيغى فلاناغان، الفائزة بمقعد مجلس الشيوخ عن مينيسوتا، أن «العاملين يستحقون اقتصادًا وبلدًا يعملان لمصلحتهم، لا لمصلحة دونالد ترامب وأصدقائه المليارديرات». ودعت إلى «حركة أمريكية جديدة، لا يحدّدها جشع الشركات أو الكراهية السياسية، بل قوّة الناس حين يتحدون للمطالبة بالتغيير».
• • •
أما براد لاندر، فانتقد السياسيين الذين يتلقّون أموالًا طائلة من لجان التمويل المرتبطة بالشركات، ويبدون كأنهم يعملون لمصلحة وول ستريت وشركات العملات المشفّرة والذكاء الاصطناعى وأيباك. وذهب كريس راب أبعد فى نقد النظام الاقتصادى السائد، معلنًا أن «الرأسمالية الخالصة لم تنجح قط»، فى دفاع واضح عن دور الدولة والخدمات العامة والحقوق الاجتماعية.
لكنّ عبد الرحمن السيد كان من أكثرهم صراحةً فى تسمية الخصم السياسى والاقتصادي، إذ دعا إلى مواجهة «أوليغارشيات الشركات الكبرى التى اشترت حكومتنا وباعتها، وصمّمت النظام ليعمل ضدنا». وأضاف: «لقد أثبتنا أنّه فى المعركة بين المال والكثرة، تستطيع الكثرة أن تنتصر». ثم وجّه رسالة إلى لجان الإنفاق السياسى الكبرى وأصحاب المصالح الخاصة الذين حاولوا هزيمته: «نحن قادمون لتغيير نظامكم السياسى».
ليست هذه الأفكار جديدة تمامًا فى التاريخ الأمريكي، فقد عرفت الولايات المتحدة حركات عمالية وتقدمية ونضالات طويلة ضد الاحتكارات والتمييز الاجتماعى والعرقى. إلا أن اللافت اليوم هو عودتها إلى واجهة التنافس الانتخابى، على ألسنة جيل جديد من السياسيين استفادوا من الطريق الذى مهّدته حركة بيرنى ساندرز واليسار التقدمى داخل الحزب الديمقراطي، ومن تصاعد الاستياء الشعبى تجاه تفاوت الثروة وتكاليف المعيشة والحروب الأمريكية فى الخارج وتراجع الثقة بالمؤسسات.
ويبدو أنّ الأسواق المالية قد التقطت هذا التحوّل سريعًا، إذ انفجرت فقاعة أسهم شركات الذكاء الاصطناعى فور إعلان النتائج، وهو انفجار كان متوقّعًا لأنّ إيرادات هذه الشركات لا تتناسب مع قيمتها السوقية، فيما كانت هذه الفقاعة قد ركّزت أموالًا طائلة فى أيدى أصحابها.
وبالطبع، لا تعنى النتائج أنّ السياسة الأمريكية ستتغيّر سريعًا. فالمؤسسات السياسية والاقتصادية الراسخة، وجماعات الضغط والمصالح المالية، تمتلك من أدوات التأثير ما يكفى لمقاومة التحوّلات التى تهدّد امتيازاتها، بما فى ذلك داخل الحزب الديمقراطى نفسه. كما أن المواقف الجريئة فى الحملات الانتخابية لا تتحوّل بالضرورة إلى سياسات وتشريعات، خاصةً فى نظام سياسى تتوزع فيه السلطات وتتعقد فيه آليات اتخاذ القرار.
لكنّ ما يستحق الانتباه هو التحوّل فى الأسئلة التى تُطرح على المجتمع الأمريكى. فبدلًا من الاكتفاء بوعد «الحلم الأمريكى» القائم على إمكان الثراء الفردى السريع، تعود إلى الواجهة أسئلة العدالة الاجتماعية: كيف يستطيع المواطن أن يعيش بكرامة؟ وكيف يحصل على الرعاية الصحية والسكن والتعليم؟ ولماذا يمتلك المليارديرات والشركات الكبرى نفوذًا يفوق نفوذ المواطنين العاديين؟ وهل يمكن للديمقراطية أن تبقى متساوية فى الحقوق، بينما تتسع الفوارق فى الثروة والسلطة؟
• • •
وهناك سؤال آخر لا يقلّ أهمية: كيف تستطيع الولايات المتحدة أن تدافع عن الديمقراطية والحقوق المتساوية داخل حدودها، بينما تدعم خارجها حروبًا وسياسات تتناقض مع هذه المبادئ؟
ولعلّ المغزى الأعمق لهذه الانتخابات أنها أعادت فتح النقاش حول معنى الديمقراطية ذاتها: أهى نظام يضمن المساواة الفعلية بين المواطنين، أم آلية انتخابية تستطيع الأوليغارشيات توجيهها بأموالها ونفوذها؟
ومن هنا تأتى أهمية هذه التحوّلات بالنسبة إلى منطقتنا. إذ إنّ الله يصرخ فى وجهنا نحن أيضًا بما يحدث فى غزّة والضفة وجنوب لبنان وسوريا. والأسئلة نفسها مطروحة عندنا: المواطنة المتساوية، ونفوذ المال، وتقاعس الدولة عن تأمين الرعاية الصحية والسكن والتعليم.
ليس مؤكّدًا أن هذا الجيل الجديد سينجح فى تغيير أمريكا. لكنّ المؤكد أن خطابه أعاد طرح سؤال بات يصعب تجاهله: لمن تعمل الدولة، ولمن تُستخدم قوتها وثروتها؟ للمواطنين جميعًا، أم للقلّة التى تملك المال والنفوذ؟
رئيس التحرير السابق لـ «لوموند ديبلوماتيك» النشرة العربية ــ ورئيس منتدى الاقتصاديين العرب