قبح اللسان

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الثلاثاء 9 فبراير 2016 - 10:25 م بتوقيت القاهرة

عرفته قبل سنوات إنسانا حاسما بتهذيب، قويا بنعومة، جريئا وشجاعا بأدب بالغ. فوجئت به قبل أيام يستخدم فى رسائله وتدخلاته على صفحات «الفيسبوك» كلمات نابية. كتب فقرات جافة محشوة بعبارات سب وقذف يرد بها على حجج قوية. رأيت من خلالها شخصا آخر غير الذى عرفت قبل سنوات. ماذا تغير؟

***
المؤكد أن لغة الخطاب المتداول بين بعض الناس على صفحات الفيسبوك تختلف عن لغة التخاطب التى كان يستخدمها عقلاء الناس قبل عشرين سنة وأكثر. أعرف جيدا أننا وأهالينا، لم نكن نستخدم السباب والكلمات النابية فى صالوناتنا أو حتى فى مواقع الترفيه مثل محلات شرب القهوة ولعب الورق. أذكر يوم استدعتنى جارتنا لتحقق معى فى مصدر كلمة سباب سمعت ابنها، وهو زميل مدرستى ورفيق لعبى، يتفوه بها فى حديث على الهاتف. أنكرت بصدق أننا نتبادل مثل هذه الكلمات فى الطريق أو النادى والملاعب، وإننى شخصيا لم أسمع رفيقى ينطق بها، ولتطمئن جارتنا استدعت رفيقا آخر ثم ثالثا، وفى صباح اليوم التالى ذهبت إلى المدرسة وقابلت الناظر وقدمت شكوى تفيد بأن ابنها نطق فى البيت كلمة لابد أنه سمعها فى المدرسة. كانت واثقة أن البيت غير مسئول، فالراديو فى ذلك الحين لم تكن تصدر عنه كلمات غير مهذبة، وضيوف العائلة لا يسبون ويلعنون، ورفاق الحى يخضعون لرقابة مستمرة من الأهل والبوابين والخدم. ماذا تغير؟

* * *
بداية يجب الاعتراف بأن الأمر لا يتعلق بنا وحدنا، فالسباب والكلمات البذيئة تسللت بنجاح إلى خطابات كثيرة فى دول الغرب، قبل أن تتولى صناعة السينما الأمريكية مهمة ترويج مثل هذه الكلمات وصك كلمات جديدة. يجب الاعتراف أيضا بأن الإنترنت بتوابعه يتحمل جانبا من المسئولية وليس كل المسئولية، لأنه فى النهاية وسيلة نقل بريئة، تنقل الرسائل من مرسل إلى مستلم. ومع ذلك أستطيع، من خلال متابعتى للنقاش الدائر حول تردى مستوى التخاطب، التوصل إلى أن الفيسبوك تحديدا بين غيره من مواقع الإنترنت هو المتهم بجدارة، بل والمدان فعلا بمسئولية نشر الكلمات البذيئة وتدهور لغة الحديث بين الشباب بخاصة وبين الناس عامة. تأتى بعده فى الترتيب القنوات الفضائية التى فتحت الهواء على مصراعيه لكل من هب ودب قبل أن تنقل عن الأمم الأخرى تجاربها، فتضع أولا الشروط والقيود الأخلاقية الملزمة للوافدين الجدد من سوق التجارة والمال أو من عشوائيات الثقافة الرديئة والأخلاق المتدنية إلى ساحات الرأى العام.

* * *
هناك بين الساعين لإثبات أن «الفيسبوك» مسئول عن الزيادة فى موجات التطرف الدينى، من يمد هذه المسئولية لتشمل الزيادة الهائلة فى انتشار ظاهرة السب والقذف واستخدام الألفاظ النابية. يذهبون إلى أبعد حين يقررون بناء على دراسات ميدانية أن نسبة عالية من مدمنى «الفيسبوك» يميلون إلى ممارسة أنماط من السلوك لا يمارسها فى العادة سوى أعضاء الجمعيات السرية والمؤسسات الأمنية والتنظيمات «شبه» العسكرية، ففى كل هذه المجتمعات المغلقة يكثر استخدام السباب والعبارات سيئة السمعة، فضلا عن الميل التلقائى لأعضائها لاعتناق رأى أوحد. ليس غريبا فى ظل هذا الاجتهاد الاعتقاد بأن هيمنة الرأى الواحد والتنظيم المغلق واعتناق نظرية المؤامرة فى التحليل السياسى والاجتماعى عناصر ثلاثة مترابطة ومتبادلة التأثير.

***
قرأت لمن يربط بين كثرة استخدام السباب والألفاظ النابية وبين الكبت الجنسى والقمع العاطفى.
هناك على الجانب الآخر من يعتبر كثرة استخدام السباب ظاهرة مرتبطة بحال القهر السياسى فى المجتمع. حسب هذا الرأى فإن السباب وتدهور لغة التخاطب ليست سوى أعراض بخار مكتوم أو ظلم اجتماعى. ومع ذلك وفى حالات غير قليلة قد لا يزيد عن كونه محاولات فردية للظهور بمظهر آخر، كالأطفال الذين يتبادلون كلمات خارجة ظنا منهم أنهم نضجوا وأصبح من حقهم أن يسلكوا مسالك الكبار، فضلا عن أن بعض المدربين والقادة يعتقدون أن استخدام البذاءات لا يقل أثرا عن استخدام القوة العضلية لإجبار المتدرب أو الجندى حديث العهد بالعسكرية على الانضباط والتعلم. الواقع يشير إلى أن هذا الأسلوب فى التلقين قد يضمن الطاعة ولكنه يؤسس للغضب والكره وضعف الثقة بالنفس.

* * *
يزعم متخصصون أن لغات السب والقذف والإهانة والتحقير نشأت فى أحضان الديانات الإغريقية. كان الناس إن غضبوا من الآلهة ألفوا المسرحيات والروايات الساخرة منها أو المحقرة لها، ونظموا الشعر وألقوا بالخطب المليئة بعبارات الإهانة. يزعم هؤلاء أن هذا التقليد خلف آثارا فى بعض الصياغات والنصوص فى أديان أخرى جرى اعتناقها فى أزمنة لاحقة. بل ويذكرنى أحد الزملاء بأن أشهر سباب فى مصر، مذموم حقا ومكروه ولكن كثير الاستخدام، هو سباب الدين. يضيف الزميل خفيف الظل أن انتشار هذا السباب فى مصر دليل آخر على أن المصريين «متدينون ومؤمنون بطبعهم»، وأن الدين جزء لا يتجزأ من الخطاب الشعبى.

***
لا حل سريعا أو مناسبا لتدهور لغة الخطاب بين الناس طالما بقيت العلاقات الأسرية مفككة، فالأب الذى لا يستطيع الفصل بين أولاده وهواتفهم الذكية لن يتمكن من تلقينهم آداب الحديث، والمعلم طالما ظل قابعا عند قاع السلم الاجتماعى فلن يمثل قدوة للطفل أو للشاب المصرى. يبقى حل أمل صغير يلوح به، وإن بخجل، بعض المهتمين بهذه القضية، وهو أن نتنازل كشعب عن قسط آخر من حرياتنا، ونسمح لشركات الإنترنت بفرض رقابة إلكترونية أشد إحكاما على جميع اتصالاتنا. نكلفها، أى هذه الشركات، بأن تخذف أولا بأول كل كلمة نابية أو قذف فى حق شخص أو عبارة تزدرى الدين أو تسبه. اقتراح معقد، إذ لم يعد فى حوزة الناس أقساط أخرى من الحرية لتستغنى عنها من أجل وقف تدهور لغة الخطاب المتداول ولا من أجل أى شىء آخر.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved